وهنا يتحول السياق من خطابهم إلى عرض نماذج من أعمالهم بعد استخلافهم .
لقد استخلفوا بعد القوم المجرمين . فماذا فعلوا ?
( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا : ائت بقرآن غير هذا أو بدله . قل : ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ، إن أتبع إلا ما يوحى إلي ، إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . قل : لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به ، فقد لبثت فيكم عمرا من قبله . أفلا تعقلون ? فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ? إنه لا يفلح المجرمون ) . .
( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ؛ ويقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله . قل : أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ? سبحانه وتعالى عما يشركون . وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ، ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون . ويقولون : لولا أنزل عليه آية من ربه ، فقل : إنما الغيب لله ، فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) .
هكذا كان عملهم بعد الاستخلاف ، وهكذا كان سلوكهم مع الرسول ! ! !
( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا : ائت بقرآن غير هذا أو بدله ) . .
وهو طلب عجيب لا يصدر عن جد ، إنما يصدر عن عبث وهزل ؛ وعن جهل كذلك بوظيفة هذا القرآن وجدية تنزيله . وهو طلب لا يطلبه إلا الذين لا يظنون أنهم سيلقون الله !
إن هذا القرآن دستور حياة شامل ، منسق بحيث يفي بمطالب هذه البشرية في حياتها الفردية والجماعية ،
ويهديها إلى طريق الكمال في حياة الأرض بقدر ما تطيق ، ثم إلى الحياة الأخرى في نهاية المطاف . ومن يدرك القرآن على حقيقته لا يخطر له أن يطلب سواه ، أو يطلب تبديل بعض أجزائه .
وأغلب الظن أن أولئك الذين لا يتوقعون لقاء الله ؛ كانوا يحسبون المسألة مسألة مهارة ، ويأخذونها مأخذ المباريات في أسواق العرب في الجاهلية . فما على محمد أن يقبل التحدي ويؤلف قرآنا آخر ، أو يؤلف جزءا مكان جزء ? !
قال : ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي . إن أتبع إلا ما يوحى إلي . إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . .
إنها ليست لعبة لاعب ولا مهارة شاعر . إنما هو الدستور الشامل الصادر من مدبر الكون كله ، وخالق الإنسان وهو أعلم بما يصلحه . فما يكون للرسول أن يبدله من تلقاء نفسه . وإن هو إلا مبلغ متبع للوحي الذي يأتيه . وكل تبديل فيه معصية وراءها عذاب يوم عظيم .
{ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ 15 قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ 16 فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ 17 }
لا يرجون لقاءنا : لا يتوقعون مجيء البعث ، والمراد : أنهم ينكرونه .
15 { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ . . . } الآيات .
تكشف هذه الآيات عن وجه مشركي مكة الذين كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبدوا الأصنام ، ثم نزلت آيات القرآن تدعو إلى توحيد الله ونبذ الأصنام والأوثان ، وتدعو العقول إلى التأمل والتفكر ، في خلق هذا الكون العظيم ، وأن آلهتهم لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر ؛ وعندئذ جاء كفار مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون منه تبديل آيات القرآن ؛ حتى يمكن الاستجابة لها أو التفكير فيها طلبوا حذف الآيات التي تندد بعبادة الأصنام ، وطلبوا تبديل آيات الوعيد ، إلى آيات تقدم الوعد والجنة ، بدلا من التوعد بالنار .
والمعنى : { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } . تدعو إلى توحيد الله ونبذ الأوثان وإبطال الشرك ، وتشرح حقيقة الإيمان وتنفر من الغرور والعصيان .
{ قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله } .
جاء في تفسير الآلوسي عن مقاتل قال :
نزلت هذه الآية في جماعة من قريش ؛ قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن كنت تريد أن نؤمن لك ، فآت بقرآن ليس فيه ترك عبادة اللات والعزى ، وليس فيه ما يعيبها ، وإن لم ينزل الله تعالى عليك ذلك فقل أنت هذا من عند نفسك ، أو بدله فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة ، ومكان حرام حلالا ، ومكان حلال حراما .
والمعنى : وإذا تتلى على المشركين آياتنا الواضحة ، المنزلة عليك يا محمد ؛ قالوا على سبيل العناد والحسد : ائت بقرآن آخر غير هذا القرآن الذي تتلوه علينا ، أو بدله بأن تجعل مكان الآية التي فيها ذم لآلهتنا ، آية أخرى فيها مدح لها .
{ قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي } .
كان المشركون يطمعون في استجابة محمد لكلامهم ؛ وبذلك يتحول القرآن من أنه وحي من السماء ، إلى أن يكون كلاما من كلام البشر ؛ والقرآن هنا يوجه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى إجابتهم ، وتوضيح حقيقة موقفه ؛ فهو يبلغ عن الله ، وهو أمين على وحي السماء ، وما ينبغي له أن يبدل كلام الله ، بكلام من عند نفسه ؛ ومن جهتها ؛ وإنما هو مبلغ عن الله ، ملزم بهذا التبليغ .
قال تعالى : { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } . ( المائدة : 67 ) .
وقد بلغ الرسول كلام ربه ، وأدى هذه الأمانة .
أي : أنا أبلغ وحي الله إلي ، بدون تحريف ولا تبديل ، وبدون زيادة أو نقصان ؛ فهذا وحي الله وأنا عبد الله ورسوله ، ما علي إلا البلاغ .
{ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } .
إني أخشى إن ارتكبت أي مخالفة أو عصيان لما أمر ربي ، عذاب يوم عظيم هو عذاب يوم القيامة .
قوله تعالى : { وإذ تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقائي نفسي إن اتبع إلا ما يوحي إلي أني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم 15 قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون 16 فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون } .
نزلت في مشركي مكة ، وهم خمسة نفر : عبد الله بن أبي أمية المخزومي ، والوليد ابن المغيرة ، ومكرز بن حفص ، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري ، والعاص بن عامر . قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ائت بقرآن ليس فيه ترك عبادة اللات والعزى . وقيل : نزلت في المستهزئين ؛ إذ قالوا : يا محمد ائت بقرآن غير هذا فيه ما نسألك{[1951]} .
والمعنى : أنه إذا قرئ المشركون آيات الكتاب الحكيم الذي أنزله الله إليك يا محمد بينات واضحات { قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله } أي قال الذين لا يقنون بوحدانية الله ، ولا يصدقون بيوم المعاد ولا بالعبث من القبور { ائت بقرآن غير هذا أو بدله } أي رد هذا القرآن الذي جئتنا به ، وجئنا بغيره من نوع آخر أو بدله إلى موضع آخر . والمراد بالتبديل الذي سألوه إياه هو أن يحول الوعد وعيدا ، والوعيد وعدا ، والحلال حراما ، والحرام حلالا . وقيل : أن يسقط من القرآن ما فيه تسفيه أحلامهم وعيب آلهتهم .
قوله : { قل ما يكون لي أن أبدله من تلقائي نفسي } أي ليس هذا إلي وإنما هو من شأن الله . وما أنا إلا العبد المأمور والرسول المتبع المكلف بالتبليغ قوله : { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } أي ما أتبع في كل ما جئتكم به من أمر ونهي ، ومن وعد ووعيد ، ومن تحليل وتحريم ، إلا ما جاءني به الوحي من عند الله . فلا أتقول عليكم شيئا من عند نفسي .
قوله : { إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } أي قل لهم يا محمد : إني أخشى من الله إن عصيت بمخالفة أمره أو بتغيير أحكام كتابه ، أو بدلت شيئا من آياته –عذاب يوم القيامة حيث الأهوال والبلايا وعظائم الأمور .