في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ} (32)

28

وهنا يفتح كتاب الكون على مصراعيه فتنطق سطوره الهائلة بنعم الله التي لا تحصى . وتتوالى صفحاته الضخمة الفسيحة بألوان هذه النعم على مد البصر : السماوات والأرض . الشمس والقمر . الليل والنهار . الماء النازل من السماء والثمار النابتة من الأرض . البحر تجري فيه الفلك ، والأنهار تجري بالأرزاق . . هذه الصفحات الكونية المعروضة على الأنظار ، ولكن البشر في جاهليتهم لا ينظرون ولا يقرأون ولا يتدبرون ولا يشكرون : إن الإنسان لظلوم كفار . يبدل نعمة الله كفرا ، ويجعل لله أندادا ، وهو الخالق الرازق المسخر الكون كله لهذا الإنسان :

( الله الذي خلق السماوات والأرض ، وأنزل من السماء ماء ، فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ، وسخر لكم الأنهار . وسخر لكم الشمس والقمر دائبين ، وسخر لكم الليل والنهار . وآتاكم من كل ما سألتموه ، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ، إن الإنسان لظلوم كفار ) .

إنها حملة . إنها سياط تلذع الوجدان . . حملة أدواتها الهائلة السماوات والأرض والشمس والقمر والليل والنهار والبحار والأنهار والأمطار والثمار . . وسياط ذات إيقاع ، وذات رنين ، وذات لذع لهذا الإنسان الظلوم الكفار !

إن من معجزات هذا الكتاب أنه يربط كل مشاهد الكون وكل خلجات النفس إلى عقيدة التوحيد . ويحول كل ومضة في صفحة الكون أو في ضمير الإنسان إلى دليل أو إيحاء . . وهكذا يستحيل الكون بكل ما فيه وبكل من فيه معرضا لآيات الله ، تبدع فيه يد القدرة ، وتتجلى آثارها في كل مشهد فيه ومنظر ، وفي كل صورة فيه وظل . . إنه لا يعرض قضية الألوهية والعبودية في جدل ذهني ولا في لاهوت تجريدي ولا في فلسفة " ميتافيزيقية " ذلك العرض الميت الجاف الذي لا يمس القلب البشري ولا يؤثر فيه ولا يوحي إليه . . إنما هو يعرض هذه القضية في مجال المؤثرات والموحيات الواقعية من مشاهد الكون ، ومجالي الخلق ، ولمسات الفطرة ، وبديهيات الإدراك . في جمال وروعة واتساق .

والمشهد الهائل الحافل المعروض هنا لأيادي الله وآلائه ، تسير فيه خطوط الريشة المبدعة وفق اتجاه الآلاء بالقياس إلى الإنسان : خط السماوات والأرض . يتبعه خط الماء النازل من السماء والثمرات النابتة من الأرض بهذا الماء . فخط البحر تجري فيه الفلك والأنهار تجري بالأرزاق . . ثم تعود الريشة إلى لوحة السماء بخط جديد . خط الشمس والقمر . فخط آخر في لوحة الأرض متصل بالشمس والقمر : خط الليل والنهار .

ثم الخط الشامل الأخير الذي يلون الصفحة كلها ويظللها :

( وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) . .

إنه الإعجاز الذي تتناسق فيه كل لمسة وكل خط وكل لون وكل ظل . في مشهد الكون ومعرض الآلاء أفكل هذا مسخر للإنسان ؟ أفكل هذا الكون الهائل مسخر لذلك المخلوق الصغير ؟ السماوات ينزل منها الماء ، والأرض تتلقاه ، والثمرات تخرج من بينهما . والبحر تجري فيه الفلك بأمر الله مسخرة . والأنهار تجري بالحياة والأرزاق في مصلحة الإنسان . والشمس والقمر مسخران دائبان لا يفتران . والليل والنهار يتعاقبان . . أفكل أولئك للإنسان ؟ ثم لا يشكر ولا يذكر ؟

( إن الإنسان لظلوم كفار ) !

الله الذي خلق السماوات والأرض . .

وبعد ذلك يجعلون لله أندادا ، فكيف يكون الظلم في التقدير ، والظلم في عبادة خلق من خلقه في السماوات أو في الأرض ؟

( وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ) . .

والزرع مورد الرزق الأول ، ومصدر النعمة الظاهر . والمطر والإنبات كلاهما يتبع السنة التي فطر الله عليها هذا الكون ، ويتبع الناموس الذي يسمح بنزول المطر وإنبات الزرع وخروج الثمر ، وموافقة هذا كله للإنسان . وإنبات حبة واحدة يحتاج إلى القوة المهيمنة على هذا الكون كله لتسخر أجرامه وظواهره في إنبات هذه الحبة وإمدادها بعوامل الحياة من تربة وماء وأشعة وهواء . . والناس يسمعون كلمة " الرزق " فلا يتبادر إلى أذهانهم إلا صورة الكسب للمال . ولكن مدلول " الرزق " أوسع من ذلك كثيرا ، وأعمق من ذلك كثيرا . . إن أقل " رزق " يرزقه الكائن الإنساني في هذا الكون يقتضي تحريك أجرام هذا الكون وفق ناموس يوفر مئات الآلاف من الموافقات المتواكبة المتناسقة التي لولاها لم يكن لهذا الكائن ابتداء وجود ؛ ولم تكن له بعد وجوده حياة وامتداد . ويكفي ما ذكر في هذه الآيات من تسخير الأجرام والظواهر ليدرك الإنسان كيف هو مكفول محمول بيد الله . .

( وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ) . .

بما أودع في العناصر من خصائص تجري الفلك على سطح الماء ؛ وبما أودع في الإنسان من خصائص يدرك بها ناموس الأشياء ؛ وكلها مسخرة بأمر الله للإنسان .

( وسخر لكم الأنهار ) . .

تجري فتجري الحياة ، وتفيض فيفيض الخير ، وتحمل ما تحمل في جوفها من أسماك وأعشاب وخيرات . . كلها للإنسان ولما يستخدمه الإنسان من طير وحيوان . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ} (32)

{ الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار32 وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار33 وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار34 } .

المفردات :

وأنزل من السماء : كل ما علا الإنسان فأظله ؛ فهو سماء . والمراد به هنا : السحاب .

رزقا : مرزوقا مما يطعم أو يشرب أو يلبس أو ينتفع به .

وسخر لكم الفلك : أي : يسر الفلك لإرادتكم ، والفلك بسكون اللام : السفينة . يستعمل في الواحد ؛ فيذكر ، وفي الجمع ؛ فيؤنث .

التفسير :

32 { الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء . . . } الآية .

تعدد هذه الآيات جانبا من نعم الله على خلقه ، وكأنها ترد على الكافرين المعاندين ؛ إذ تقدم أدلة ملموسة ، يراها الأعمى والبصير ، والصغير والكبير ، والأمي والمتعلم ، فمن هذه النعم ما يأتي :

{ الله الذي خلق السماوات والأرض } .

فهو سبحانه خلقهما على غير مثال سابق ، وأوجد في السماء الأجرام العلوية ، من نجوم وكواكب ، ومجرات ومخلوقات تسبح بدقة عجيبة وترتيب بديع ، كما بسط الله الأرض وأنزل إليها الأمطار ، ويسر لها الأنهار والبحار ، والجبال والهواء والفضاء ؛ حتى يعيش عليها النبات والحيوان والإنسان ، وحتى يعمر الكون ويتكامل .

{ وأنزل من السماء ماء } .

وهذا الماء هو أساس الحياة ، يشرب منه الإنسان والحيوان والزرع ، وبطون الوديان والأفلاج .

{ فأخرج به من الثمرات رزقا لكم } . أي : أخرج بماء المطر أنواع النباتات والثمار ؛ حتى يأكل منها الإنسان والحيوان ، قال تعالى : { وجعلنا من الماء كل شيء حي }( الأنبياء : 30 ) .

{ وسخر الفلك لتجري في البحر بأمره . . . } .

أي : ذلل الله لكم السفن ، ويسر لكم استعمالها ؛ فصارت تجري على شاطئ الماء ، بإذن الله وتيسيره ، الذي قدر قوانين الهواء والفضاء والماء ، والطفو على وجه الماء ، قال تعالى : { وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام } ( الرحمن : 24 ) .

أي : وبفضل الله سخر السفن التي تجري في البحر ، كالجبال العالية ناشئة على سطح الماء جارية عليه بفضل الله .

{ وسخر لكم الأنهار } .

أي : ذلل لكم الأنهار ؛ تشربون منها وتسقون زروعكم ودوابكم ، وتشقون منها أنهارا تسيرونها وفق إرادتكم ، كنهر النيل ، والفرات وغيرهما .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ} (32)

قوله تعالى : { الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار ( 32 ) وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار ( 33 ) وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ( 34 ) } شرع جل وعلا في الكلام عن عزيز ملكوته وسلطانه وعظيم شأنه وجلاله وأنه الخالق البارئ المنعم المتفضل ؛ ليستيقن العباد وجوب الشكر عليهم لله الواحد المدبر المنعم فيبادروا إلى الطاعة والإذعان والامتثال . فقال سبحانه : ( الله الذي خلق السماوات والأرض ) خلق السماوات طباقا وما فيهن وما بينهن من كائنات ومخلوقات وأجرام غاية في الانتظار والكثرة والدقة والاتساع والامتداد . وكذلك الأرض وما فيها من مركبات مختلطة متماسكة متكاملة ، ما بين تراب ورمل وملح وصخر وماء ومعدن ، وغير ذلك مما حوته الأرض من أصناف الأتربة والسوائل والمعادن .

قوله : ( وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ) أنزل الله المطر من السماء غيثا نافعا مغيثا . والسماء يراد به كل ما علا ، فكل ما علاك فهو سماء . والمطر يتنزل من طبقات الجو العالية ليخرج الله به ( من الثمرات رزقا لكم ) ( من ) ، للتبعيض . و ( رزقا ) مفعول أخرج . و ( الثمرات ) تعم كل ما تنبته الأرض . وبعض ذلك ينتفع به الآدميون وهو ما جعله الله رزقا لهم لكي يأكلوه ويقتاتوا منه ويعيشوا به .

قوله : ( وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ) ( الفلك ) يعني السفينة . وهو واحد وجمع يذكر ويؤنث{[2403]} . على أن السفن من الجواري التي تسير فوق سطح الماء بإرادة الله وتقديره وأمره . وذلك بأن بث الله في كل من الماء والمواد الصلبة من الصفات والميزات الذاتية ما تتم به عملية الطفو على وجه الماء دون غرق . وأيما كائن تتحقق فيه خاصية الطفو على سطح الماء سواء كان الماء بحرا أو نهرا أو غيرهما من الماء العميق المركوم لسوف يحصل الطفو . وفي النظرية العلمية الحديثة أن يكون معدل كثافة الجسم دون معدل كثافة الماء ، سبب لحصول الطفو كيلا يغرق الجسم .

والمهم في ذلك أن مثل هذه الخاصية في الأجسام والمياه التي يحصل بسببها الطفو لهو من الله . فالله هو الذي بث في الأشياء والأجسام والمخلوقات ميزاتها وصفاتها . وهو الذي جعل فيها قوانينها ونواميسها التي تتم بموجبها الظواهر المشهودة في الطبيعة . وكل ذلك من فضل الله على الإنسان ؛ إذ يسر له سبل الحياة والعيش في البر أو البحر ليعيش سالما مرتاحا فلا يعتريه عسر ولا حرج .

قوله : ( وسخر لكم الأنهار ) ( سخر ) من التسخير وهو التذليل{[2404]} ؛ أي ذلل الله للناس الأنهار لتجري على ظهرها المراكب فتقل الناس من مكان إلى مكان . وليأخذوا منها ما حوته من خيرات مطعومة كالأسماك بأجناسها الكثيرة العجيبة . إلى غير ذلك من وجوه الاستفادة من مياه الأنهار العذبة في الشرب وسقي الزروع والنباتات والمواشي .


[2403]:- مختار الصحاح ص 511.
[2404]:- مختار الصحاح ص 290.