وعوض الله إبراهيم عن وطنه وعن قومه وعن أهله - عوضه عن هذا كله ذرية تمضي فيها رسالة الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . فكل الأنبياء وكل الدعوات بعده كانت في ذريته . وهو عوض ضخم في الدنيا وفي الآخرة :
( ووهبنا له إسحاق ويعقوب . وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب . وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) .
وهو فيض من العطاء جزيل ، يتجلى فيه رضوان الله سبحانه على الرجل الذي يتمثل فيه الخلوص لله بكليته ، والذي أجمع الطغيان على حرقه بالنار ، فكان كل شيء من حوله بردا وسلاما ، وعطفا وإنعاما . جزاء وفاقا .
إسحاق : ابنه الأكبر ، ويعقوب حفيده وابن إسحاق .
أجر الدنيا : الرزق الواسع الهنيء والمنزل الرحب ، والمورد العذب ، والزوجة الصالحة ، والثناء الجميل ، والذكر الحسن .
27-{ ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين }
رزق الله إبراهيم بعد هجرته إلى الشام من زوجته سارة –وهي عجوز عقيم- بولده إسحاق ، وكانت هبة عظيمة ، حيث رزق بعد أن أيس من الولد ، وقالت زوجته حين بشرتها الملائكة بذلك : { أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب*قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد } [ هود : 72 ، 73 ] .
وبعد أن رزق الله إبراهيم ابنه إسحاق ، رزق الله إسحاق ولده يعقوب الملقب بإسرائيل ، وقد نشأ في حجر إبراهيم فنسب إليه ، وهو حفيده ، ومن نسل إبراهيم كان جميع الأنبياء ، فقد رزق بإسماعيل من زوجة شابة ، هي هاجر ، ولم يكن من نسل إسماعيل نبي سوى محمد صلى الله عليه وسلم .
أما إسحاق فقد أنجب يعقوب ورزق يعقوب بالأسباط ، أي : الأحفاد ، أحفاد إبراهيم ، وكانوا اثنى عشر سبطا ، من بينهم يوسف الذي رأى في منامه أن الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا يسجدون له ، وتأويل ذلك أن أباه وأمه وإخوته ، سيسجدون له سجود تعظيم وتحية لا سجود عبادة ، ومن نسل الأسباط كان آلاف الأنبياء من بني إسرائيل مثل : داود صاحب الزبور ، وموسى صاحب التوراة ، وعيسى صاحب الإنجيل .
{ وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب . . . }
جعلنا في ذرية إبراهيم النبوة والرسالة ، والكتاب ، أي : جنس الكتب السماوية ، فمن نسل إسماعيل رسول واحد هو محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن نسل إسحاق يعقوب ، ومن نسله الأسباط [ الأحفاد ] وهم أحفاد إبراهيم ، ومن نسلهم آلاف الأنبياء والمرسلين .
ورزق إبراهيم أجره في الدنيا ، بالثناء الحسن والذكر الجميل ، قال تعالى : { وإبراهيم الذي وفّى } [ النجم : 37 ] .
حيث وفق الله إبراهيم إلى الوفاء في جميع ما كلّف به ، من محاربة الشرك وإعلاء التوحيد ، والطاعة له وحده ، والاستجابة لما أمر به من ذبح ولده ، والصلاة على إبراهيم إلى آخر الدهر .
{ وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين }
أي : جمع الله له استحقاق الأجر والفوز ، وكثرة العطاء في الدنيا ، والفوز في الآخرة بالدرجات العلى والحسنى وزيادة ، لأنه من الصالحين الأتقياء ، ودرجة الصلاح درجة سامية هي وسام للأنبياء الصالحين .
كما يحشر إبراهيم يوم القيامة في زمرة الكاملين في الصلاح ، الذين لهم الدرجات العلى ، وقصارى أمره ، أنه سبحانه جمع له بين سعادة الدارين ، وآتاه الحسنى في الحياتين .
قوله : { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ } امتنَّ الله على إبراهيم بولده إسحق ثم بيعقوب ولد إسحق . فإن ولد الولد بمنزلة الولد . وقد وهبه إسحق من بعد إسماعيل ولده الأكبر .
قوله : { وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ } لم يبعث الله نبيا من بعد إبراهيم إلا كان من سلالته عليه الصلاة والسلام . لا جرم أن هذا تكريم رباني هائل أسبغه الله على خليله إبراهيم . وعلى هذا فإن جميع أنبياء بني إسرائيل من سلالة يعقوب بن إسحق بن إبراهيم . حتى آخرهم عيسى بن مريم ؛ إذ قام في قومه مبشرا بالنبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم ، خاتم المرسلين وهو من سلالة إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام . وليس من نبي من سلالة إسماعيل سوى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم .
أما الكتاب ، فهو بمعنى الجمع ويراد به الكتب . والمقصود به التوراة والإنجيل والقرآن .
قوله : { وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا } أعطاه الله الثناء الحسن وهو أن كل أهل ملة يتولونه ويعتبرونه ويقولون : هو منا .
قوله : { وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } علاوة على كونه في الدنيا محبوبا لدى أهل الملل السماوية جميعها ؛ فإنه في الآخرة من المقربين الأبرار{[3555]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.