فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَجۡرَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (27)

{ فآمن له } أي لإبراهيم { لوط } فصدقه في جميع ما جاء به ، وقيل : إنه لم يؤمن به إلا حين رأى النار لا تحرقه ، وكان لوط ابن أخي إبراهيم هاران ، وقيل : ابن أخته ، والأول قال ابن عباس : آمن أي : صدق برسالته .

{ وقال إني مهاجر إلى ربي } قال النخعي ، وقتادة : الذي قال إني مهاجر هو إبراهيم . قيل هو أول من هاجر إلى الله وترك بلده ، وسار إلى حيث أمره الله بالمهاجرة إليه ، قيل : هاجر وهو ابن خمس وسبعين سنة ، وقال قتادة : هاجر من كوثى وهي قرية من سواد الكوفة إلى حران ، ثم منها إلى فلسطين ، وهي برية الشام ، ثم إلى الشام ومعه ابن أخيه لوط ، وامرأته سارة ، وقد تزوجها ومن ثم قالوا : لكل نبي هجرة وإبراهيم هجرتان ، والمعنى أني مهاجر عن دار قومي إلى حيث أعبد ربي .

عن أنس قال : أول من هاجر من المسلمين إلى الحبشة بأهله عثمان بن عفان ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم صحبهما الله ، إن عثمان لأول من هاجر إلى الله بأهله بعد لوط أخرجه أبو يعلى ، وابن مردويه ، عن أسماء بنت أبي بكر قالت : هاجر عثمان إلى الحبشة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنه أول من هاجر بعد إبراهيم ولوط " أخرجه ابن منده ؛ وابن عساكر ، عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما كان بين عثمان وبين رقية وبين لوط ، مهاجر " ، أخرجه الطبراني والحاكم في الكنى وابن عساكر .

{ إنه هو العزيز الحكيم } أي : الغالب الذي أفعاله جارية على مقتضى الحكمة ، وقيل : إن القائل : إني مهاجر إلى ربي هو لوط ، والأول أولى لرجوع الضمير في قوله : { وهبنا له إسحاق ويعقوب } إلى إبراهيم وكذا الضمير في قوله :

قوله : { وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب ، وآتيناه أجره في الدنيا } فإن هذه الضمائر كلها لإبراهيم بلا خلاف . يعني منّ الله عليه بالأولاد فوهب له بعد إسماعيل بأربع عشرة سنة إسحق ولدا له ، ويعقوب ولدا لولده إسحق ، وقول ابن عباس : هما ولدا إبراهيم لعله يريد ولده وولد ولده ، لأن ولد الولد بمنزلة الولد ، ومثل هذا لا يخفى على مثل ابن عباس ، وهو حبر الأمة ، وهذه عنه من رواية العوفي .

وفي الصحيحين : " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف عليه السلام بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم ، وجعل من ذريته النبوة فلم يبعث الله نبيا بعد إبراهيم إلا من صلبه ونسله " .

ووحد الكتاب لأن الألف واللام فيه للجنس الشامل للكتب ، والمراد التوراة والإنجيل والفرقان ، ومعه إيتاء الأجر في الدنيا أنه أعطي فيها الأولاد في غير أوانه وأخبر الله باستمرار النبوة فيهم ، وذلك مما تقر به عينه ويزداد به سروره . وقيل : أجره في الدنيا : أن أهل الملل كلها تدعيه ، وتقول : هو منهم ، ويثنون عليه الثناء الحسن ، ويذكره أهل الإسلام في آخر كل تشهد إلى آخر الدهر ، وقيل : أعطاه في الدنيا عملا صالحا ، وعاقبة حسنة ، وفيه دليل على أن الله تعالى قد يعطي الأجر في الدنيا . وعن ابن عباس قال : إن الله وصى أهل الأديان بدينه ، فليس من أهل الأديان دين إلا وهم يقولون إبراهيم ويرضون به ، وقال : أجر الدنيا الذكر الحسن ، وقال أيضا : الولد الصالح والثناء .

{ وإنه في الآخرة لمن الصالحين } أي الكاملين في الصلاح المستحقين لتوفير الأجرة ، وكثرة العطاء ، والفوز بالدرجات العلا من الرب سبحانه