وإنه لجزاء مكافىء لشناعة الجريمة . جريمة كتمان الكتاب الذي أنزله الله ليعلن للناس ، وليحقق في واقع الأرض ، وليكون شريعة ومنهاجا . فمن كتمه فقد عطله عن العمل . وهو الحق الذي جاء للعمل :
( ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق ) . .
فمن فاء إليه فهو على الهدى ، وهو في وفاق مع الحق ، وفي وفاق مع المهتدين من الخلق ، وفي وفاق مع فطرة الكون وناموسه الأصيل .
( وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد ) . .
شقاق مع الحق ، وشقاق مع ناموس الفطرة ، وشقاق فيما بينهم وبين أنفسهم . . ولقد كانوا كذلك ، وما يزالون . وتلحق بهم كل أمة تختلف في كتابها . فلا تأخذ به جملة ، وتمزقه تفاريق . . وعد الله الذي يتحقق على مدار الزمان واختلاف الأقوام . ونحن نرى مصداقه واقعا في هذا العالم الذي نعيش فيه .
{ ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد } .
ذلك الذي تقدم من الجزاء الشديد المترتب على الكتمان ، حاصل بسبب أن الله نزل القرآن بالحق ، فلا يصح أن يكتم أمره وأمر من جاء به ، ولا أن يفتري عليه ، وأن الذين اختلفوا في شأنه لفي خلاف بعيد عن الحق موجب لأشد العذاب ، إن منهم من يقول : هو سحر . ومنهم من يقول : أساطير الأولين ، ومنهم من يقول : افتراه على الله كذبا ، أم به جنة ، ومنهم من يقول : إنما يعلمه بشر .
ويرى بعض المفسرين : أن المراد بالكتاب : جنس الكتب التي أنزلها الله ، وأن المعنى ، ذلك العذاب بسبب أن الله نزل كتبه بالحق ، فلا جرم أن يعذب من يكتمها ، أو يكذبها . وأن الذين اختلفوا في شأن ما أنزله الله في كتبه ، فأظهروا منها ما يناسب أهواءهم وأخفوا ما لا يناسبها أو آمنوا ببعضها ، وكفروا بالبعض الآخر ، وأساءوا تأويل بعضها .
{ لفي شقاق بعيد } : شقاق مع الحق . ، وشقاق مع ناموس الفطرة ، وشقاق فيما بينهم وبين أنفسهم ، وبعد شديد عن الحق والصواب .
وبدلك تكون الآيات الكريمة قد ذكري ألوانا من العقوبات الأليمة التي توعد الله بها كل من يكتم أمرا نهى الله عن كتمانه ، لكي يقلع كل من يتأى منه الخطاب عن هذه الرذيلة ، وفاء للعهد أخذه الله على الناس بصفة عامة ، وعلى أولي العلم بصفة خاصة .
ولما ذكر جزاءهم{[6885]} وشرح حالهم والتعجيب من أمرهم ذكر السبب الموجب لهذا الإبعاد العظيم والتهديد الكبير فقال : { ذلك } مشيراً بأداة البعد { بأن الله } فذكر الاسم الأعظم أيضاً {[6886]}الذي معناه أن له جميع صفات الكمال{[6887]} تعظيماً للمقام { نزّل الكتاب } أي الجامع لأنواع الهدى { بالحق } منجماً تقريباً للأفهام وتدريباً للخاص والعام ، {[6888]}وهو صالح لإرادة القرآن والتوراة{[6889]} {[6890]}أي الثابت الكامل في الثبات{[6891]} ، فمن كتمه فقد حاول نفي ما أثبته الله تعالى فقد ضاد الله في ملكه ، ومن خالف فيه وهو الذي لا شبهة تلحقه فقد عد الواضح ملبساً فقد أبعد المرمى .
ولما كان التقدير : فاختلفوا ، أتبعه قوله : { وإن الذين اختلفوا } أي خالف بعضهم بعضاً { في الكتاب } نفسه أي{[6892]} لا في فهمه ، وهذه العبارة تدل على أن{[6893]} الاختلاف قول بعض في الكتاب كله أو في شيء منه هو باطل والإقرار ببعض أحكامه والإنكار لبعضها وتحريف الكلم عن مواضعه ونحو هذا { لفي شقاق{[6894]} } لكون{[6895]} كل واحد{[6896]} منهم في شق { بعيد } جداً عن شق أهل الحق ، ولذلك{[6897]} خاف الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من {[6898]}اختلاف أهل هذا الدين في القرآن كما اختلف اليهود والنصارى فجمعوهم على مصحف واحد ، فليس الاختلاف في وجوه الروايات وأنحاء{[6899]} الفهم من ذلك ؛ وقد وقع كما ترى تنبيه المشركين من العرب بدون ما تضمنه تنبيه بني إسرائيل من التقريع والتوبيخ لفرقان ما بينهم ، لأن كفر المشركين عن جهل وكفر أولئك عن تعنت بعد تكرر مشاهدة الآيات{[6900]} ، ومن تدبر القرآن وطالع التوراة علم طول مكث موسى عليه الصلاة والسلام فيهم يتلو عليه التوراة على حسب تنزيلها شيئاً فشيئاً وأنهم كانوا مع ذلك كلما شاهدوا آية أحدثوا كفراً وخلعوا شكراً وسألوا غيرها عناداً ومكراً{ وجعلنا قلوبهم قاسية{[6901]} }[ المائدة : 13 ] وقد مر من{[6902]} أول السورة عن التوراة كثير من ذلك وسيأتي إن شاء الله تعالى بقيته{[6903]} في المواضع اللائقة به من آيات القرآن . وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : ومتى بين شيء في الكتاب العزيز من أحوال النصارى فليس على ما ورد من مثله في اليهود لما ذكر أي من أن كفرهم تعنت ، وخطاب مشركي العرب فيما أشير إليه دون خطاب الفريقين إذ قد تقدم لهم ما لم يتقدم للعرب وبشروا في كتبهم وليس لمشركي العرب مثل ذلك ؛ والزيغ عن الهدى شامل للكل وليسوا في شيء من الصراط المستقيم {[6904]}مع أن{[6905]} أسوأ الأحوال حال من أضله الله على{[6906]} علم ؛ وهنا انتهى ذكر ما حذر منه ونهى عنه من أراد سلوك{[6907]} الصراط المستقيم وبيان حال من حاد{[6908]} عنه وتنكبه وظن أنه على شيء وضم{[6909]} مفترق أصناف الزائغين في أصناف ثلاثة وهم اليهود والنصارى وأهل الشرك ، وبهم يلحق سائر من تنكب فيلحق باليهود منافقو أمتنا ممن ارتاب{[6910]} بعد إظهار إيمانه وفعل أفاعيلهم من المكر والخديعة والاستهزاء ، {[6911]}ويلحق بالنصارى من اتصف بأحوالهم ، وبالمشركين من جعل لله سبحانه وتعالى نداً واعتقد فعلاً لغيره على غير طريقة الكسب .
والمجوس لاحقون بأهل الشرك . والشرك أكثر هذه الطرق الستة تشعبا ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : الشرك أخفى من دبيب النمل ، ومن فعل أفعال من ذكر ولم ينته به الأمر إلى مفارقة دينه والخروج في شيء من اعتقاده{[6912]} خيف عليه أن يكون ذلك وسيلة إلى اللحوق بمن تشبه به ، وإلى هذا أشار عليه الصلاة والسلام بقوله : أربع منكن فيه كان منافقا خالصا : إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر ، وإذا وعد أخلف ، وإذا خاصم فجر –إلى أشباه هذا من الأحاديث ؛ انتهى
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.