في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ} (171)

158

ومن ثم يرسم لهم صورة زرية تليق بهذا التقليد وهذا الجمود ، صورة البهيمة السارحة التي لا تفقه ما يقال لها ، بل إذا صاح بها راعيها سمعت مجرد صوت لا تفقه ماذا تعني ! بل هم أضل من هذه البهيمة ، فالبهمية ترى وتسمع وتصيح ، وهم صم بكم عمي :

( ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء . صم بكم عمي فهم لا يعقلون ) !

صم بكم عمي . ولو كانت لهم آذان والسنة وعيون . ما داموا لا ينتفعون بها ولا يهتدون . فكأنها لا تؤدي وظيفتها التي خلقت لها ، وكأنهم إذن لم توهب لهم آذان وألسنة وعيون .

وهذه منتهى الزراية بمن يعطل تفكيره ، ويغلق منافذ المعرفة والهداية ، ويتلقى في أمر العقيدة والشريعة من غير الجهة التي ينبغي أن يتلقى منها أمر العقيدة والشريعة . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ} (171)

ضلال الكفار

{ ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعآء وندآء صم بكم عمي فهم لا يعقلون( 171 ) }

المفردات :

ينعق : يصيح ، والنعيق : التصويت على البهائم للزجر :

دعاء ونداء : الدعاء والنداء : استدعاء الآخرين ، فهما بمعنى واحد ، وقيل الأول لطلب القريب والثاني لطلب البعيد .

صم : لا يسمعون .

بكم : لا يتكلمون .

المعنى الإجمالي :

وإن مثل ما يدعو أولئك الكافرين الجاحدين إلى الحق والهدى فلا يستجيبون له ولا يفقهون ما يدعوهم إليه كمثل راعي الغنم يناجيها فلا تفقه منه شيئا ، ولا يقرع سمعها إلا الصوت ولا تعي غيره ، فهم كذلك عن الحق صم الآذان ، عمي البصائر ، خرس الألسنة لا ينطقون بخير ولا يصدرون عن عقل .

التفسير :

{ ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون } .

ومثل هادى الذين كفروا وداعيهم إلى الحق وهم لا يعقلون كمثل الراعي الذي ينعق بماشيته ، ويصيح بها ، ليكفها عن الرعي في مرعى وخيم يضرها ، وكما أن البهائم التي لا تعي من الداعي إلا صوت الدعاء والنداء ، دون أن تفهم غرضه وهو كفهم عن المرعى الوخيم العاقبة ، لعدم تمييزها ، فكذلك هؤلاء المقلدون لم يدركوا من هاديهم وداعيهم إلى الحق ومحذرهم من الباطل سوى الدعاء والنداء ، لانهماكهم في التقليد الذي أغلق عقولهم ، فلم تدرك ما يقول ، وكما أن الهائم وقعت في المرعى الوخيم العاقبة بجهلها ، فكذلك هؤلاء وقعوا في مهاوي الردى بإعراضهم عن الهدى .

قال الفخر الرازي : وللعلماء من أهل التأويل في هذه الآية طريقان :

أحدهما : تصحيح المعنى بالإضمار في الآية ، والثاني إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار .

أما الذين أضمروا فذكروا وجوها :

الأول : كأنه قال : ومثل من يدعو الذين كفروا إلى الحق كمثل الذي ينعق ، فصار الناعق هو الراعي بمنزلة الداعي إلى الحق وهو الرسول صلى الله عليه وسلم وسائر الدعاة إلى الحق ، وصار الكفار بمنزلة الغنم المنعوق بها ، ووجه التشبيه أن البهيمة تسمع الصوت ولا تفهم المراد ، وهؤلاء الكفار كانوا يسمعون صوت الرسول صلى الله عليه وسلم وألفاظه وما كانوا ينتفعون بها وبمعانيها .

الثاني : ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم من الأوثان كمثل الناعق في دعائه ما لا يسمع كالغنم وما يجري مجراها من البهائم ، فشبه الأصنام في أنها لا تفهم بهذه البهائم ، فإذا كان ولا شك من دعا بهيمة عد جاهلا فمن دعا حجرا أولى بالذم .

والفرق بين هذا القول والذي قبله أن ها هنا المحذوف هم المدعو ، وفي القول الذي قبله المحذوف هو الدعي .

أما إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار فتقديره : ومثل الذين كفروا في قلة عقولهم في عبادتهم لهذه الأوثان كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم ، فكما أنه يقضي على ذلك الراعي بقلة العقل فكذا هاهنا .

ثم قال الفخر الرازي : ومثل هذا المثل يزيد السامع معرفة بأحوال الكفار ، ويحقر إلى الكافر نفسه إذا سمع ذلك ، فيكون كسرا لقلبه ، وتضييقا لصدره ، حيث يصير كالبهيمة ، فيكون في ذلك نهاية الزجر والردع لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقه في التقليد( 40 ) .

وفي ختام الآية وصف لهؤلاء الكفار بأنهم «صم » لا يسمعون الدعوة إلى الحق لانصرافهم عنه «بكم » عن إجابة الداعي إليها «عمي » عن آيات صدقها وصحتها ، فهم لإعراضهم عن الهادي لهم إلى ما ينفعهم وينجيهم من العذاب صاروا بمنزلة من فقد حواسه فأصبح لا يسمع ولا ينطق ولا يبصر .

«فهم لا يعقلون » : لا يدركون شيئا لفقد الحواس الثلاث التي هي أبواب العلم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ} (171)

ولما كان التقدير : فمثلهم حينئذ كمن تبع{[6619]} أعمى في طريق وعر خفي في فلوات{[6620]} شاسعة{[6621]} كثيرة الخطر عطف عليه ما يرشد إلى تقديره من قوله منبهاً على أنهم صاروا بهذا كالبهائم بل{[6622]} أضل لأنها وإن كانت لا تعقل فهي تسمع وتبصر فتهتدي إلى منافعها { ومثل } وبين الوصف الذي حملهم على هذا الجهل بقوله : { الذين كفروا } أي ستروا ما يعلمون من عظمة الله سبحانه وتعالى وقدرته وعلمه وحكمته بما عندهم من الهوى {[6623]}في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودوي الصوت من غير إلقاء أذهان ولا استبصار { كمثل } قال الحرالي : المثل ما يتحصل في باطن الإدراك من حقائق الأشياء المحسوسة فيكون ألطف{[6624]} من الشيء المحسوس فيقع لذلك جالياً{[6625]} لمعنى مثل المعنى المعقول ويكون الأظهر منهما مثلاً للأخفى ، فلذلك يأتي استجلاء{[6626]} المثل بالمثل ، ليكون فيه تلطيف للظاهر المحسوس وتنزيل للغائب المعلوم ؛ ففي هذه الآية يقع الاستجلاء بين المثلين لا بين الممثولين لتقارب المثلين يعني وهو وجه الشبه وتباعد الممثولين ، وفي ذكر هذين المثلين تقابل يفهم مثلين آخرين ، فاقتضى ذلك تمثيلين في مثل واحد كأن وفاء{[6627]} اللفظ الذي أفهمه هذا الإيجاز مثل الذين كفروا ومثل راعيهم كمثل الراعي ومثل ما يرعى من البهائم وهو من أعلى خطاب فصحاء العرب ، ومن لا يصل فهمه{[6628]} إلى جمع{[6629]} المثلين يقتصر على تأويله بمثل واحد فيقدر في الكلام : ومثل داعي الذين كفروا { كمثل الذي ينعق{[6630]} } أي يصيح ، وذلك لأن التأويل يحمل على الإضمار والتقدير ، والفهم يمنع منه ويوجب فهم إيراد القرآن على {[6631]}حده ووجهه{[6632]} ؛ وقال : { بما } أي{[6633]} بسبب شيء من البهائم التي{[6634]} { لا } {[6635]}عقل لها فهو{[6636]} { يسمع إلا دعاء } أي {[6637]}من الناطق{[6638]} فيما يدعي إليه من قوام غذائه{[6639]} ونسله { ونداء{[6640]} } فيما ساق إليه بمحل دعائه من حيث إن النداء يشعر بالبعد والدعاء يشعر{[6641]} بالشروع في القصد - انتهى .

فالكافرون{[6642]} في كونهم لا يرجعون عن غيهم{[6643]} لما يسمعون من الأدلة وهم أولو عقل وسمع وبصر كالبهم التي تسمع وتبصر ولكنها لكونها لا تعقل لا ترجع{[6644]} بالكلام {[6645]}لأنها لا تسمع إلا ظاهر الصوت ولا تفهم ما تحته{[6646]} بل بالحجر والعصا ، فإن الراعي إذا أراد رجوعها عن ناحية{[6647]} صاح بها ورمى بحجر إلى ما أمامها فترجع ، فهي محل مثلهم الذي هو عدم الإدراك ، والبهم في كونها لا ترجع بالنداء بل بقارع{[6648]} كالأصم الأبكم الأعمى الذي لا يرجع إلا بقارع يصكه في وجهه فينكص على عقبه فهو محل مثلها ، وداعيهم في كونه يتكلم فلا يؤثر كلامه مع المبالغة فيه كراعي البهم فهو موضع مثله ، وراعي البهم من حيث إن بهمه لا ترجع{[6649]} إلا بضربة{[6650]} بالحجر أو غيره كالسوط الذي يقمع{[6651]} به الأصم أو كضارب الأصم المذكور فهو محل{[6652]} مثله ؛ فلذلك كانت نتيجة التمثيل قوله : { صم } {[6653]}أي لا يسمعون{[6654]} { بكم } {[6655]}أي لا ينطقون{[6656]} { عمي } {[6657]}أي لا يبصرون{[6658]} ، وقد علم بهذا أن الآية من{[6659]} الاحتباك {[6660]}حذف من الأول مثل الداعي لدلالة الناعق عليه ومن الثاني المنعوق به لدلالة المدعوين عليه . ولما كان موجود {[6661]}إدراك العقل هو حقائق المحسوسات وقد نفى عنهم الحس المدرك للمحسوسات ترتب عليه قوله { فهم } بالفاء ربطاً وتعقيباً وتسبيباً { لا يعقلون * } لأنهم لا ينتفعون بعقولهم كما أن هذا الأصم كذلك ، ونفاه بلا النافية للممتنع وصيغة المضارع {[6662]}المنبئة عن{[6663]} الدوام - قاله الحرالي{[6664]} .


[6619]:في م: اتبع، وفي ظ: يتبع
[6620]:زيد من م و مد و ظ
[6621]:في ظ: شايعة
[6622]:زيد في م "هم"
[6623]:العبارة من هنا إلى" والاستبصار" ليست في ظ
[6624]:في م: العطف
[6625]:من م و مد و ظ، وفي الأصل: حاليا
[6626]:ليس في م
[6627]:في مد: وقا
[6628]:زيدت من م و ظ ومد
[6629]:في ظ: جميع
[6630]:النعيق دعاء الراعي وتصويته بالنغم، وقال الشاعر: فانعق بضأنك يا جرير فإنما منتك نفسك في الخلاء ضلالا ويقال: نعق المؤذن، ويقال: نعق ينعق نعيقا ونعاقا ونعقا، وأما نعق الغراب فالبالغين المعجمة، وقيل أيضا بقال بالمهملة في الغراب – البحر المحيط 1/ 477.
[6631]:في مد: على حدة ووجهة
[6632]:في مد على حدة ووجهة
[6633]:في ظ: بسبب ما
[6634]:في ظ: بسبب ما
[6635]:ليست في ظ: وزيد بعدها في م: لا
[6636]:ليست في ظ: وزيد بعدها في م: لا
[6637]:ليس في ظ. وفي م ومد: الناعق –مكان: الناطق.
[6638]:ليس في ظ. وفي م ومد: الناعق –مكان: الناطق.
[6639]:في م: عذابه -كذا
[6640]:النداء مصدر نادي كالقتال مصدر قاتل وهو بكسر النون وقد تضم، وقيل: وهو مرادف للدعاء، وقيل: مختص بالجهر، وقيل: بالبعد، وقيل: لغير المعين – البحر المحيط 1/ 477
[6641]:زيد من م ومد و ظ، غير أن لفظ "يشعر" ليس في ظ
[6642]:في البحر المحيط 1/ 481: لما ذكر تعالى أن هؤلاء الكفار إذا أمروا باتباع ما أنزل الله أعرضوا عن ذلك ورجعوا إلى ما ألفوه من اتباع الباطل الذي نشؤوا عليه ووجدوا عليه آباءهم ولم يتدبروا ما يقال لهم وصموا عن سماع الحق وخرسوا عن النطق به وعموا عن إبصار النور الساطع النبوي ذكر هذا التشبيه العجيب في هذه الآية منبها على حالة الكافر في تقليده أباه ومحقرا نفسه إذ صار هو في مرتبة البهيمة أو في رتبة داعيها على الخلاف الذي سيأتي في هذا التشبيه، وهذه الآية لا بد في فهم معناه على الخلاف الذي سيأتي في هذا التشبيه، وهذه الآية لا بد في فهم معناه من تقدير محذوف
[6643]:من م و مد و ظ، وفي الأصل: غيبهم.
[6644]:زيد من مد و ظ
[6645]:ليست في ظ
[6646]:ليست في ظ
[6647]:في م و ظ ومد: جهة
[6648]:من مد و ظ، وفي الأصل: تقارع
[6649]:في م: لا يرجع
[6650]:في ظ: بضربه، وفي م ومد: بضربه
[6651]:في ظ: يقع
[6652]:ليس في ظ
[6653]:ليس في ظ
[6654]:ليس في ظ
[6655]:ليس في ظ
[6656]:ليس في ظ
[6657]:ليس في ظ
[6658]:ليس في ظ
[6659]:زيد من م ومد و ظ
[6660]:من م و مد و ظ، وفي الأصل: لاحتباك
[6661]:من م ومد و ظ، وفي الأصل: موجودا.
[6662]:في م: المبنية على
[6663]:في م: المبنية على
[6664]:وقال أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط1/ 484: لما تقرر فقدهم لمعاني هذه الحواس قضى بأنهم لا يعقلون كما قال أبو المعالي وغيره: العقل علوم ضرورية يعطيها هذه الحواس إذ لا بد في كسبها من الحواس انتهى. قيل: والمراد العقل الاكتسابي لأن العقل المطبوع كان حاصلا لهم،والعقل عقلان: مطبوع ومكسوب؛ ولما كان الطريق لاكتساب العقل المكتسب هو الاستعانة بهذه القوى الثلاث كان إعراضهم عنها فقد العقل المكتسب وهذا قيل: من فقد حسا فقد فقد عقلا -انتهى