في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتۡبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنّٗا وَلَآ أَذٗى لَّهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (262)

261

ولكن أي إنفاق هذا الذي ينمو ويربو ؟ وأي عطاء هذا الذي يضاعفه الله في الدنيا والآخرة لمن يشاء ؟

إنه الإنفاق الذي يرفع المشاعر الإنسانية ولا يشوبها . الإنفاق الذي لا يؤذي كرامة ولا يخدش شعورا . الإنفاق الذي ينبعث عن أريحية ونقاء ، ويتجه إلى الله وحده ابتغاء رضاه :

( الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ، ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى ، لهم أجرهم عند ربهم ، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) . .

والمن عنصر كريه لئيم ، وشعور خسيس واط . فالنفس البشرية لا تمن بما أعطت إلا رغبة في الاستعلاءالكاذب ، أو رغبة في إذلال الآخذ ، أو رغبة في لفت أنظار الناس . فالتوجه إذن للناس لا لله بالعطاء . . وكلها مشاعر لا تجيش في قلب طيب ، ولا تخطر كذلك في قلب مؤمن . . فالمن - من ثم - يحيل الصدقة أذى للواهب وللآخذ سواء . أذى للواهب بما يثير في نفسه من كبر وخيلاء ؛ ورغبة في رؤية أخيه ذليلا له كسيرا لديه ؛ وبما يملأ قلبه بالنفاق والرياء والبعد من الله . . وأذى للآخذ بما يثير في نفسه من انكسار وانهزام ، ومن رد فعل بالحقد والانتقام . . وما أراد الإسلام بالإنفاق مجرد سد الخلة ، وملء البطن ، وتلافي الحاجة . . كلا ! إنما أراده تهذيبا وتزكية وتطهيرا لنفس المعطي ؛ واستجاشة لمشاعره الإنسانية وارتباطه بأخيه الفقير في الله وفي الإنسانية ؛ وتذكيرا له بنعمة الله عليه وعهده معه في هذه النعمة أن يأكل منها في غير سرف ولا مخيلة ، وأن ينفق منها ( في سبيل الله ) في غير منع ولا من . كما أراده ترضية وتندية لنفس الآخذ ، وتوثيقا لصلته بأخيه في الله وفي الإنسانية ؛ وسدا لخلة الجماعة كلها لتقوم على أساس من التكافل والتعاون يذكرها بوحدة قوامها ووحدة حياتها ووحدة اتجاهها ووحدة تكاليفها . والمن يذهب بهذا كله ، ويحيل الإنفاق سما ونارا . فهو أذى وإن لم يصاحبه أذى آخر باليد أو باللسان . هو أذى في ذاته يمحق الإنفاق ، ويمزق المجتمع ، ويثير السخائم والأحقاد .

وبعض الباحثين النفسيين في هذه الأيام يقررون أن رد الفعل الطبيعي في النفس البشرية للإحسان هو العداء في يوم من الأيام !

وهم يعللون هذا بأن الآخذ يحس بالنقص والضعف أمام المعطي ؛ ويظل هذا الشعور يحز في نفسه ؛ فيحاول الاستعلاء عليه بالتجهم لصاحب الفضل عليه واضمار العداوة له ؛ لأنه يشعر دائما بضعفه ونقصه تجاهه ؛ ولأن المعطي يريد منه دائما أن يشعر بأنه صاحب الفضل عليه ! وهو الشعور الذي يزيد من ألم صاحبه حتى يتحول إلى عداء !

وقد يكون هذ كله صحيحا في المجتمعات الجاهلية - وهي المجتمعات التي لا تسودها روح الإسلام ولا يحكمها الإسلام - أما هذا الدين فقد عالج المشكلة على نحو آخر . عالجها بأن يقرر في النفوس أن المال مال الله ؛ وأن الرزق الذي في أيدي الواجدين هو رزق الله . . وهي الحقيقة التي لا يجادل فيها إلا جاهل بأسباب الرزق البعيدة والقريبة ، وكلها منحة من الله لا يقدر الإنسان منها على شيء . وحبة القمح الواحدة قد اشتركت في إيجادها قوى وطاقات كونية من الشمس إلى الأرض إلى الماء إلى الهواء . وكلها ليست في مقدور الإنسان . . وقس على حبة القمح نقطة الماء وخيط الكساء وسائر الأشياء . . فإذا أعطى الواجد من ماله شيئا فإنما من مال الله أعطى ؛ وإذا أسلف حسنة فإنما هي قرض لله يضاعفه له أضعافا كثيرة . وليس المحروم الآخذ إلا أداة وسببا لينال المعطي الواهب أضعاف ما أعطى من مال الله ! ثم شرع هذه الآداب التي نحن الآن بصددها ، توكيدا لهذا المعنى في النفوس ، حتى لا يستعلي معط ولا يتخاذل آخذ . فكلاهما آكل من رزق الله . وللمعطين أجرهم من الله إذا هم أعطوا من مال الله في سبيل الله ؛ متأدبين بالأدب الذي رسمه لهم ، متقيدين بالعهد الذي عاهدهم عليه :

( ولا خوف عليهم ) . .

من فقر ولا من حقد ولا من غبن . .

( ولا هم يحزنون ) . .

على ما أنفقوا في الدنيا ، ولا على مصيرهم في الآخرة .

/خ274

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتۡبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنّٗا وَلَآ أَذٗى لَّهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (262)

261

262- { الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله } استئناف جيء به لبيان كيفية الإنفاق الذي يحبه الله . ويجازي عليه المنفقين بالجزاء العظيم وقوله : { ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى } تحذير للمتصدق من هاتين الصفتين الذميمتين لأنهما مبطلتان لثواب الصدقة .

و المن معناه : أن يتطاول المحسن بإحسانه على من أحسن إليه ويتفاخر عليه بسبب ما أعطاه من عطايا . كأن يقول على سبيل التفاخر والتعيير لقد أحسنت إليك وأنقذتك من الفقر وما يشبه ذلك .

قال الإمام الرازي ما مخلصه : والمن في اللغة على وجوه فقد يأتي بمعنى الإنعام يقال قد من الله على فلان إذا انعم عليه بنعمة وقد يأتي بمعنى النقص من الحق والبخس له قال تعالى- وإن لك لأجرا غير ممنون ( القلم 3 ) . أي غير مقطوع وغير ممنوع ومنه سمي الموت منونا لأنه يقطع الأعمار ومن هذا الباب المنة المذمومة لأنها تنقص النعمة وتكدرها والعرب يمتدحون بترك المن بالنعمة والمراد بالمن في الآية المن المذموم هو بمعنى إظهار الاصطناع إليهم ( 33 ) .

و قال صاحب الكشاف : المن : أن يعتد على من أحسن بإحسانه ويريد أنه اصطنعه وأوجب عليه حقا وكانوا يقولون إذ صنعتم صنيعة فانسوها ولبعضهم .

و ان امرؤ أسدى إلى صنيعة *** وذكرنيها إنه للئيم

و في نوابغ الكلم : " صنوان من منح سائله ومنّ ومن منع نائله وضن والمراد بالأذى في الآية أن يقول المعطى لمن أعطاه قولا يؤذيه او يفعل معه فعلا يسئ به إليه وهو أعم من المن إذ المن نوع من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وقوعه ( 34 ) .

و جاء العطف بثم في الجملة الكريمة لإظهار التفاوت الشديد في الرتبة بين الإنفاق الذي يحبه الله وبين الإنفاق الذي يصاحبه المن والأذى والإشعار بان المن والأذى بغيضان عند الإنفاق وبعده فعلى المنفق أن يستمر في أدبه وإخلاصه وقت الإنفاق وبعده حتى لا يذهب ثوابه إذ المن والاذى مبطلان للثواب في أي وقت يحصلان فيه .

قال الشيخ ابن المنير مبينا أن " ثم " هنا تفيد استمرار الفعل بجانب إفادتها للتفاوت في الرتبة : وعندي فيها - أي في ثم - وجه آخر محتمل في هذه الآية ونحوها وهو الدلالة على دوام الفعل المعطوف بها وإرخاء الطول في استصحابه فهي على هذا لم تخرج على الإشعار ببعد الزمن ولكن معناها الأصلي تراخي زمن وقوع الفعل وحدوثه ومعناه المستعار إليه دوام وجود الفعل وتراخي زمن بقائه وعليه حمل قوله : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } أي وداوموا على هذه الاستقامة دواما متراخيا ممتد الأمد . . و كذلك قوله تعالى هنا : { ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى } أي يدومون على تناسي الإحسان وعلى ترك الاعتداد به والامتنان والأذى . . ( 35 ) .

و كرر- سبحانه النفي في قوله : { ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى } لتأكيده وشموله لأفراد كل واحد منهما أي يجب ألا يقع منهم أي نوع من أنواع المن ولا أي نوع من أنواع الأذى حتى لقد قال بعض الصالحين : " لئن ظننت أن سلامك يثقل على ما أنفقت عليه بنفقة تبتغي بها وجه الله فلا تسلم عليه " .

ثم ختم سبحانه الآية ببيان عاقبة المنفقين بلا من ولا أذى فقال : { لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } . أي لهم جزاؤهم العظيم مكافأة لهم على أدبهم وإخلاصهم عند مربيهم مالك أمرهم ولا خوف عليهم مما سيجدونه في مستقبلهم ولا هم يحزنون على ماضيهم وذلك لأن الله تعالى قد أحاطهم برعايته في دنياهم وأخراهم وعوضهم عما فارقوه خير عوض وأكرمه .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتۡبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنّٗا وَلَآ أَذٗى لَّهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (262)

ولما كان الإنسان قد يزرع ما يكون لغيره بين أن هذا لهم بشرط فقال : - وقال الحرالي : و{[12785]}لما كان للخلافة وخصوصاً بالإنفاق موقع من النفس بوجوه مما ينقص التضعيف أو يبطله كالذي يطرأ على الحرث الذي ضرب به المثل مما ينقص نباته أو يستأصله نبه تعالى على ما يبطل ؛ انتهى . فقال سبحانه وتعالى : { الذين ينفقون } ورغبهم في إصلاحها ورهبهم من إفسادها بإضافتها إليهم فقال : { أموالهم } وحث على الإخلاص في قوله : { في سبيل الله } أي{[12786]} الذي له الأسماء الحسنى{[12787]} .

ولما كانت النفس مطبوعة على ذكر فضلها وكان من المستبعد جداً تركها له نبه عليه{[12788]} بأداة البعد إعلاماً بعظيم فضله فقال : { ثم لا يتبعون ما أنفقوا } بما يجاهدون به أنفسهم { مناً } قال الحرالي : وهو ذكره لمن أنفق عليه فيكون قطعاً لوصله بالإغضاء عنه لأن أصل معنى المنّ القطع { ولا أذى } وهو ذكره لغيره فيؤذيه بذلك لما يتعالى عليه{[12789]} بإنفاقه - انتهى{[12790]} . وكذا أن يقول لمن شاركه{[12791]} في فعل خير : لو لم أحضر ما تم ، وتكرير { لا } تنبيه على أن{[12792]} انتفاء كل منهما شرط لحصول الأجر { لهم } ولم يقرنه بالفاء إعلاماً بأنه ابتداء عطاء من الله تفخيماً لمقداره وتعظيماً لشأنه حيث لم يجعله مسبباً عن إنفاقهم { أجرهم } أي الذي ذكره{[12793]} في التضعيف فأشعر ذلك{[12794]} أنه إن اقترن بما نهي عنه لم يكن لهم ، ثم زادهم رغبة بقوله : { عند ربهم } أي المحسن إليهم بتربيتهم القائم على ما يقبل من النفقات بالحفظ والتنمية{[12795]} حتى يصير في العظم إلى حد يفوت الوصف { ولا خوف عليهم } من هضيمة تلحقهم { ولا هم يحزنون * } على فائت ، لأن ربهم سبحانه وتعالى لم يترك شيئاً من الفضل اللائق بهم إلا أوصله إليهم


[12785]:زيد من م وظ ومد.
[12786]:ليس في م.
[12787]:العبارة من "أي" إلى هنا ليست في ظ.
[12788]:من م ومد وظ، وفي الأصل: عليها.
[12789]:زيد في الأصل "من" ولم تكن الزيادة في م ومد وظ فحذفناها.
[12790]:ليس في مد.
[12791]:في ظ: نشاركه.
[12792]:ليس في م ومد وظ.
[12793]:في م وظ ومد: ذكر.
[12794]:في م: بذلك.
[12795]:في ظ: التسمية.