( وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا ، وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ) . .
وإذا كان هذا التقرير ينطبق على آلهة الوثنية الساذجة في جاهلية العرب القديمة . . فإنه ينطبق كذلك على كل الآلهة المدعاة في الجاهلية الحديثة . .
إن هؤلاء المشركين الجدد يدعون من دون الله أولياء من أصحاب السلطان الظاهر في الأرض ! ولكن هؤلاء الأولياء لا يستطيعون نصرهم ولا أنفسهم ينصرون . حين يجري قدر الله بما يشاء في أمر العباد في الموعد المرسوم .
وإذا كانت آلهة العرب الساذجة لا تسمع ، وعيونها المصنوعة من الخرز أو الجوهر تنظر ولا تبصر ! فإن بعض الآلهة الجديدة كذلك لا تسمع ولا تبصر . . الوطن . والقوم . والإنتاج . والآلة . وحتمية التاريخ ! إلى آخر تلك الآلهة المدعاة في الجاهلية الحديثة ! والذي يبصر منها ويسمع - وهي الآلهة المدعاة من البشر ، التي تعطى خصائص الألوهية فتشرع بأمرها وتحكم - هي كذلك لا تسمع ولا تبصر . . هي من الذين يقول الله فيهم : ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس ، لهم قلوب لا يفقهون بها ، ولهم أعين لا يبصرون بها ، ولهم آذان لا يسمعون بها . . أولئك كالأنعام بل هم أضل ، أولئك هم الغافلون ) !
إن صاحب الدعوة إلى الله ، إنما يصادف حالة واحدة من الجاهليات المتعددة . . وإنما ينبغي أن يقول ما أمر الله سبحانه نبيه [ ص ] أن يقول :
( قل : ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون . إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين . والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون . وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ) . . فإنما هم هم . . في كل أرض وفي كل حين ! ! !
{ 198 - وَأن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } .
تكرر هذا المعنى في القرآن الكريم ، وهذا التكرار للتأكيد ، وهو مطلوب ؛ لاقتلاع جذور الشرك التي تأصلت في المشركين .
فهذه الأصنام التي يعبدونها من دون الله لا تعقل شيئا ، ولا تفرق بين خير وشر ، فإذا دعاها داع إلى ما فيه خير وهداية ، لم تسمع ولم تعقل ، ولم تعرف ما هو هذا الخير الذي تدعى إليه .
والآية كقوله تعالى : { أن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم } . ( فاطر : 14 ) .
{ وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } .
أي : وتراهم أيها المخاطب ينظرون إليك بما وضع لهم من أعين صناعية ، وحدق زجاجية أو جوهرية ؛ موجهة إلى من يدخل عليها كأنها تنظر إليه ، وهم لا يبصرون بها ؛ لأن حاسة الإبصار لا تحصل بالصناعة ، وإنما هي من خواص الحياة التي استأثر الله بها .
وهم إذ فقدوا السمع لا يسمعون نداء ولا دعاء ؛ ممن يعبدونهم ولا من غيرهم ، وإذ فقدوا البصر لا يبصرون حاله . فكيف يرجى منهم نصر أو خير ؛ أو دفع شر وضرر ؟
ويجوز أن يكون الخطاب في الآية للنبي صلى الله عليه وسلم ، والحديث فيها عن المشركين ، فهم إذا دعاهم النبي إلى الإيمان لا يسمعون سماع فهم وإدراك وتبصر في الهدى ، وهم ينظرون للنبي بعيونهم ، ولا يبصرون الهدى ببصيرتهم ؛ لأن قلوبهم قد طمس نورها وغاب فقهها .
وقريب من ذلك قوله تعالى : { ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم } . ( محمد : 16 ) .
قال الأستاذ عبد الكريم الخطيب :
قد يكون المشار إليه بضمير الجمع هنا هم أولئك المشركون ، أو تلك الأصنام التي يعبدونها ، أو هم هؤلاء وأولئك جميعا ، فالمشركون وما يشركون بهم سواء ، في أنهم لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون .
ولما كان دعاء الجماعة أقرب إلى السماع من دعاء الواحد ، نسق على ما قبله قوله : { وإن تدعوهم } أي يا من هم أضل منهم وأعجز { إلى الهدى } أي إلى{[34378]} الذي هو أشرف الخلال ليهتدوا في نصر أنفسهم أو غير ذلك { لا يسمعوا } أي شيئاً من ذلك الدعاء ولا غيره ؛ ولما كان حالهم في البصر بالنسبة إلى كل أحد على حد سواء ، قال مفرداً للمخاطب : { وتراهم } أي أيها الناظر إليهم { ينظرون إليك } أي كأنهم ينظرون لما صنعوا لهم من الأعين { وهم لا يبصرون* } أي نوعاً من الإبصار ، وما أشبه مضمون هذه الآيات بما{[34379]} في سفر أنبياء بني إسرائيل في نبوة{[34380]} أشعياً : هكذا يقول الرب ملك إسرائيل ومخلصه : أنا الأول وأنا الآخر ، وليس إله غيري . ومن مثلي{[34381]} يدعي ويظهر قوته ويخبر بما كان منذ بسطت الدنيا إلى الأبد ، والآيات القديمة تظهر للشعوب ، فلا يفزعون ولا يخافون ، ألم أسمعكم منذ{[34382]} أول الدهر وأظهرها لكم وأبين لكم الأمور وأنتم شهدائي أن ليس إله غيري ، وليس عزيز منيع إلا وأنا أعز منه ، لأن جميع الصناع الذين يعملون الأصنام إنما عملهم باطل وليس في أعمالهم منفعة ، وأن{[34383]} الصناع الذين{[34384]} يعملونها هم{[34385]} يشهدون عليها أنها لا تبصر ولا تسمع ولا تعلم ، لذلك يخزي جميع صناع الأوثان المسبوكة لأن جميع ما صنعوا{[34386]} لا عقل له ، فيجمعون كلهم ويخزون ويفتضحون لأن النجار نحت بحديده وهيأ صنماً بمنقاره وسدده بقوة ساعده وجاع وعطش في عمله . والنجار اختار خشبة وقدرها وألصق بعضها ببعض بالغراء وركبها وعملها كشبه الإنسان ، أقام من الخشب الذي قطع من الغيضة كشبه رجل الذي نبت من شرب المطر ليصير للناس للوقود فعملوه لهم إلهاً وعبدوه وسجدوا له ، الذي ينصفه خبزوا لهم خبزاً وشووا لهم لحماً على جمرة وأكلوا وشربوا واصطلوا{[34387]} وقالوا : قد حمينا لأنا قد{[34388]} أوقدنا ناراً واصطلينا ، والذي بقي منه اتخذوه إلهاً منحوتاً وسجدوا له وصلوا وقالوا : نجّنا لأنك إلهنا .
ولم يخطر على بالهم فكر أن يقولوا : إنا قد أوقدنا نصفه بالنار ، وخبزنا خبزنا وشوينا على جمره اللحم وأكلنا ، ولم يعلموا أن باقيه عمل منه صنم وسجدوا له ، لأن قلوبهم متمرغة في رماده ، وضلت عقولهم فلا يقدرون ينجون أنفسهم ولا{[34389]} يقولون : إن أيادينا{[34390]} عملت الباطل واتخذت الكذب ، ثم قال : أليس أنا الرب منذ أول ، وليس إله غيري ولا مخلص سواي ، ادنوا إليّ يا جميع الذين{[34391]} في أقطار الأرض لتنجوا لأني أنا الرب وليس إله غيري ، حلفت بيميني وأخرجت كلمة صدق ولست أرجع عنها لأنه لي تنحني كل ركبة ، وبي يحلف كل إنسان ويقول : إنما البر بالرب ، وإليه تدنو{[34392]} الأعزاء ويخزى جميع المبغضين ، وبي يمتدح ويتبرر ، بمن شبهتموني ؟ وإلى من نسبتموني ؟ بالضالين الذين أخرجوا الذهب من أكياسهم و{[34393]}وزنوا الفضة بالميزان واكتروا الصناع{[34394]} حتى عملوا لهم آلهة يسجدون لها ويحملونها على أكتافهم ويمشون بها ثم يصلون لها ويدعونها لا تجيبهم ولا تخلصهم من شدائدهم ثم يحملونها أيضاً ويردونها إلى مواضعها ، اذكروا هذه الأشياء واعقلوا أيها الأثمة واخطروها على قلوبكم واذكروا الأيام التي كانت من الابتداء ، إني أنا الله الخالق وليس إله غيري ولا مثلي ، فأنا{[34395]} أظهر العتيدات وأخبر بالذي يكون قبل أن يكون ، وأثبت رأيي وأكمل إراداتي وهواي ، وأدعو من في المشارق فيأتون أسرع من الطير ، وأتاني{[34396]} الرجل الذي قد عمل مسرتي من الأرض البعيدة ، لأني أنا إذا{[34397]} تكلمت بشيء فعلته . أنا خلقت وأنا أخلق ؛ وفي الزبور في المزمور الثالث عشر بعد المائة{[34398]} : إلهنا في الأرض ، كل ما يشاء يصنع ، أوثان الأمم ذهب وفضة عمل أيدي البشر ، لها أفواه ولا تتكلم ، لها أعين ولا تنظر ، لها آذان{[34399]} ولا تسمع ، وآناف ولا تشم ، وأيد{[34400]} ولا تلمس ، وأرجل ولا تمشي ، ولا صوت بحناجرها ولا روح في أفواهها ، فليكن صانعوها مثلها وجميع من يتوكل{[34401]} عليها - انتهى .