وإذا كان موسى يطلب إطلاق بني إسرائيل لهذا الغرض ، وكل ما يقدمه هو عمل من أعمال السحر ، فما أسهل الرد عليه : ( فلنأتينك بسحر مثله ) . . وهكذا يفهم الطغاة أن دعوى أصحاب العقائد إنما تخفي وراءها هدفا من أهداف هذه الأرض ؛ وإنها ليست سوى ستار للملك والحكم . . ثم هم يرون مع أصحاب الدعوات آيات ، إما خارقة كآيات موسى ، وإما مؤثرة في الناس تأخذ طريقها إلى قلوبهم وإن لم تكن من الخوارق . فإذا الطغاة يقابلونها بما يماثلها ظاهريا . . سحر نأتي بسحر مثله ! كلام نأتي بكلام من نوعه ! صلاح نتظاهر بالصلاح ! عمل طيب نرائي بعمل طيب ! ولا يدركون أن للعقائد رصيدا من الإيمان ، ورصيدا من عون الله ؛ فهي تغلب بهذا وبذاك ، لا بالظواهر والأشكال !
وهكذا طلب فرعون إلى موسى تحديد موعد للمباراة مع السحرة . . وترك له اختيار ذلك الموعد : للتحدي : ( فاجعل بيننا وبينك موعدا )وشدد عليه في عدم إخلاف الموعد زيادة في التحدي ( لا نخلفه نحن ولا أنت ) . وأن يكون الموعد في مكان مفتوح مكشوف : ( مكانا سوى )مبالغة في التحدي !
سُوى : مستويا لا جبال فيه ولا وهاد بحيث يستر النظارة .
{ فلنأتينّك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سُوى } .
سنقابل سحرك بسحر مماثل ، فحدد يوما محددا ؛ لا نتخلف عنه نحن ولا أنت ، وحدد مكانا مستويا لا ارتفاع فيه ولا انخفاض ؛ حتى لا يحرم أحد الجالسين من المشاهدة . وهنا نلاحظ أن فرعون يظهر رباطة الجأش ، والاطمئنان إلى أن نتيجة المبارزة ستكون لصالحه .
{ فاجعل بيننا وبينك موعدا } يحتمل أن يكون الموعد اسم مصدر أو اسم زمان أو اسم مكان ويدل على أنه اسم مكان قوله : { مكانا سوى } ، ولكن يضعف بقوله : { موعدكم يوم الزينة } لأنه أجاب بظرف الزمان ، ويدل على أن الموعد اسم زمان قوله : { يوم الزينة } ولكن يضعف بقوله : { مكانا سوى } ويدل على أنه اسم مصدر بمعنى الوعد قوله : { لا نخلفه } ، لأن الإخلاف إنما يوصف به الوعد لا الزمان ولا المكان ، ولكن يضعف ذلك بقوله : { مكانا } وبقوله : { يوم الزينة } ، فلابد على كل وجه من تأويل أو إضمار ويختلف إعراب قوله : { مكانا } باختلاف تلك الوجوه : فأما إن كان الموعد اسم مكان فيكون قوله : { موعدا } و{ مكانا } مفعولين لقوله : { اجعل } ، ويطابقه قوله : { يوم الزينة } من طريق المعنى ، لا من طريق اللفظ ، وذلك أن الاجتماع في المكان يقتضي الزمان ضرورة ، وإن كان الموعد اسم زمان فينتصب قوله : { مكانا } على أنه ظرف زمان ، والتقدير : موعدا كائنا في مكان ، وإن كان الموعد : اسم مصدر فينتصب { مكانا } على أنه مفعول بالمصدر وهو الموعد ، أو بفعل من معناه ، ويطابقه قوله : { يوم الزينة } على حذف مضاف تقديره موعدكم وعد يوم الزينة ، وقرأ الحسن : يوم الزينة بالنصب وذلك يطابق أن يكون الموعد اسم مصدر من غير تقدير محذوف .
{ مكانا سوى } معناه مستوى في القرب منا ومنكم ، وقيل : معناه : مستوى الأرض ليس فيه انخفاض ولا ارتفاع ، وقرئ بكسر السين وضمها ، والمعنى متفق .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.