في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} (19)

ثم يمضي في التعقيب على حديث الإفك ؛ وما تخلف عنه من آثار ؛ مكررا التحذير من مثله ، مذكرا بفضل الله ورحمته ، متوعدا من يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بعذاب الله في الآخرة . ذلك مع تنقية النفوس من آثار المعركة ؛ وإطلاقها من ملابسات الأرض ، وإعادة الصفاء إليها والإشراق . . كما تتمثل في موقف أبي بكر - رضي الله عنه - من قريبه مسطح بن أثاثة الذي خاض في حديث الإفك مع من خاض :

( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ، والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) . .

والذين يرمون المحصنات - وبخاصة أولئك الذين تجرأوا على رمي بيت النبوة الكريم - إنما يعملون على زعزعة ثقة الجماعة المؤمنة بالخير والعفة والنظافة ؛ وعلى إزالة التحرج من ارتكاب الفاحشة ، وذلك عن طريق الإيحاء بأن الفاحشة شائعة فيها . . بذلك تشيع الفاحشة في النفوس ، لتشيع بعد ذلك في الواقع .

من أجل هذا وصف الذين يرمون المحصنات بأنهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ، وتوعدهم بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة .

وذلك جانب من منهج التربية ، وإجراء من إجراءات الوقاية . يقوم على خبرة بالنفس البشرية ، ومعرفة بطريقة تكيف مشاعرها واتجاهاتها . . ومن ثم يعقب بقوله : ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) . . ومن ذا الذي يعلم أمر هذه النفس إلا الذي خلقها ? ومن ذا الذي يدبر أمر هذه الإنسانية إلا الذي برأها ? ومن ذا الذي يرى الظاهر والباطن ، ولا يخفى على علمه شيء إلا العليم الخبير ?

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} (19)

11

19 - إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ .

تشيع : تنتشر .

الفاحشة : الخصلة المفرطة في القبح ، وهي الزنا .

تطلق الفاحشة على كل أمر قبيح ، وأحيانا تطلق على الزنا خاصة .

ومقصود الآية : ذم من ينشر الأخبار الكاذبة ، ويذيع أنباء الزنا عن المحصنين والمحصنات من المؤمنين فهناك صنف من الناس لا يحلو له الحديث إلا في تجريح الشرفاء ولمز الغافلات المحصنات .

هذا الصنف مريض ، وربما كان فاسقا أو زانيا ويرى في سلوك كل شريف وشريفة تحديا له ، وإعلانا عن النزاهة والاستقامة في هذه الدنيا ، فهو يريد أن يستر كل خير ، وأن يذيع كل إثم ، وقد توعد الله هذا الصنف بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة ، وأوجب علينا أن نقفل أبواب الفتنة ، وأن نرفض كل حديث يتصل بتجريح الأعراض ، وأن نسد منافذ الشر والإثم في المجتمع ، وأن نحافظ على شبابنا وبناتنا من التيارات الغريبة ، والانحرافات الآثمة .

يقول المودودي :

والآية تنطبق كذلك على إنشاء دور للفاحشة والبغاء ، وما يرغب الناس فيها ويثير غرائزهم الدنيئة ، من القصص والروايات والأشعار والغناء والصور والألعاب والمسارح والسينما ، كما تنطبق كذلك على المجالس والنوادي والفنادق ، التي يعقد فيها الرقص والطرب ويشترك فيه الرجال والنساء ، على صورة خليعة مختلطة .

فالقرآن يصرح بأن هؤلاء جميعا من الجناة ، يجب ألا ينالوا عقابهم في الآخرة فقط بل في الدنيا كذلك ، فمن واجب كل دولة مسلمة أن تبذل جهدها في استئصال جميع هذه الوسائل والأسباب لإشاعة الفاحشة ، وتقرر أن جميع هذه الأفعال جرائم مستلزمة للعقوبة ، وتؤاخذ عليها الشرطة والمحكمة81 .

وقد روى من حديث أبي الدرداء : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( أيما رجل شد عضد امرئ من الناس في خصومة لا علم له بها ؛ فهو في سخط الله حتى ينزع عنها ، وأيما رجل حال بشفاعته دون حد من حدود الله أن يقام ؛ فقد عاند الله حقا ، وأقدم على سخطه وعليه لعنة الله تتابع إلى يوم القيامة ، وأيما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة وهو منها برئ ، يريد أن يشينه بها في الدنيا ، كان حقا على الله تعالى أن يرميه بها في النار ) ، ثم تلا مصداقه من كتاب الله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ82 .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} (19)

{ إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة } الإشارة بذلك إلى المنافقين الذين أحبوا أن يشيع حديث الإفك . ثم هو عام في غيرهم ممن اتصف بصفتهم ، العذاب في الدنيا الحد ، وأما عذاب الآخرة ، فقد ورد في الحديث : ( أن من عوقب في الدنيا على ذنب لم يعاقب عليه في الآخرة ) . فأشكل اجتماع الحد مع عذاب الآخرة في هذا الموضع ، فيحتمل أن يكون القاذف يعذب في الآخرة ولا يسقط الحد عنه ، عذاب الآخرة بخلاف سائر الحدود ، أو يكون هذا مختصا بمن قذف عائشة ، فإنه روي : عن ابن عباس أنه قال : من أذنب ذنبا ثم تاب منه قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة أو يكون لمن مات مصرا غير تائب ، أو يكون للمنافقين .