في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ} (9)

( ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون ) . .

فقد خفت في ميزان الله الذي لا يظلم ولا يخطئ . وقد خسروا أنفسهم . فماذا يكسبون بعد ؟ إن المرء ليحاول أن يجمع لنفسه . فإذا خسر ذات نفسه فما الذي يبقى له ؟

لقد خسروا أنفسهم بكفرهم بآيات الله : ( بما كانوا بآياتنا يظلمون ) والظلم - كما أسلفنا - يطلق في التعبير القرآني ويراد به الشرك أو الكفر : ( إن الشرك لظلم عظيم ) .

ولا ندخل هنا في طبيعة الوزن وحقيقة الميزان - كما دخل فيه المتجادلون بعقلية غير إسلامية في تاريخ الفكر " الإسلامي " ! . . . . فكيفيات أفعال الله كلها خارجة عن الشبية والمثيل . مذ كان الله سبحانه ليس كمثله شيء . . وحسبنا تقرير الحقيقة التي يقصد إليها السياق . . من أن الحساب يومئذ بالحق ، وأنه لا يظلم أحد مثقال ذرة ، وأن عملاً لا يبخس ولا يغفل ولا يضيع .

/خ25

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ} (9)

ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون .

أي : ومن خفت موازين أعماله ، أو أعماله التي لا وزن لها ولا اعتداد بها ، وهي أعماله السيئة .

فأولئك الذين خسروا أنفسهم ، بسبب ما اقترفوا من سيئات أدت بهم إلى سوء العقاب ، فلم يعاملوا آيات الله بما تستحق من تعظيم ، فكذبوا بها وظلموا الفطرة التي فطر الله الناس عليها .

وقد اختلف العلماء في كيفية الوزن :

فقال بعضهم : إن التي توزن هي صحائف الأعمال ، التي كتبت فيها الحسنات والسيئات ؛ تأكيدا للحجة ، وإظهارا للنصفة وقطعا للمعذرة .

وقيل : إن الوزن هنا كناية عن القضاء السوي ، والعدل التام في تقدير ما يمكن به الجزاء من الأعمال ، وذكر الوزن إنما هو ضرب مثل كما تقول هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه ، أي : يعادله ويساويه وإن لم يكن هناك وزن .

من كلام المفسرين :

جاء في تفسير أبي السعود ما يأتي : -

( والجمهور على أن صحائف الأعمال هي التي توزن بميزان له لسان وكفتان ينظر إليه الخلائق ؛ إظهارا للمعادلة وقطعا للمعذرة ، كما يسألهم عن أعمالهم ، فتعترف بها ألسنتهم وجوارحهم ، ويشهد عليهم الأنبياء والملائكة والأشهاد ، وكما يثبت في صحائفهم ، فيقرءونها في موقف الحساب ، ويؤيده ما روى أن الرجل يؤتى به إلى الميزان فينشر له تسعة وتسعون سجلا مد البصر ، فيخرج له بطاقة فيها كلمتا الشهادة ، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فتطيش السجلات وتثقل البطاقة .

وقيل : يوزن الأشخاص ؛ لما روى عنه عليه الصلاة والسلام : ( إنه ليأتي العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة ) ( 28 ) .

وقيل : الوزن عبارة عن القضاء السوي والحكم العادل ، وبه قال مجاهد والأعمش والضحاك ، واختاره كثير من المتأخرين : بناء على استعمال لفظ الوزن في هذا المعنى شائع في اللغة والعرف بطريق الكناية .

وروى عن ابن عباس أنه يؤتى بالأعمال الصالحة على صور حسنة ، وبالأعمال السيئة على صور قبيحة .

وجاء في حاشية الجمل على الجلالين ما يأتي :

فإن قلت : أليس الله تعالى يعلم مقادير أعمال العباد فما الحكمة في وزنها ؟

قلت : فيه حكم : منها : إظهار العدل ، وأن الله تعالى لا يظلم عباده ، ومنها : امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا وإقامة الحجة عليهم في العقبى ، ومنها : تعريف العباد بما لهم من خير أو شر ، وحسنة أو سيئة ، ومنها : إظهار علامة السعادة والشقاوة ، ونظيره أن الله سبحانه أثبت أعمال العباد في اللوح المحفوظ ، وفي صحائف الحفظة الموكلين ببني آدم ، من غير جواز النسيان عليه . ا ه .

والذي علينا هو الإيمان بأن في الآخرة وزنا للأعمال ، وأنه على مقدار ما يظهر يكون الجزاء ، وأنه وزن أو ميزان يليق بما يجري في ذلك اليوم ، أما كيفية هذا الوزن وهل هو وزن للأعمال ، أو للأشخاص فمرده إلى الله ، الذي يعلم النوايا ومقدار الإخلاص والتجرد وهو نعم الحسيب المكافئ القائل في كتابه :

إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما . ( النساء : 40 ) .

وهو سبحانه القائل : وكفى بالله حسيبا . ( النساء : 6 ) .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ} (9)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

ومن خفت موازين أعماله الصالحة فلم تثقل بإقراره بتوحيد الله والإيمان به وبرسوله واتباع أمره ونهيه، فأولئك الذين غبنوا أنفسهم حظوظها من جزيل ثواب الله وكرامته "بِمَا كانَوا بآياتِنا يَظْلِمُونَ "يقول: بما كانوا بحجج الله وأدلته يجحدون، فلا يقرّون بصحتها، ولا يوقنون بحقيقتها...

معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي 516 هـ :

قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين حضره الموت في وصيته لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق غداً أن يكون ثقيلاً، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الباطل غدا أن يكون خفيفا...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

«الآيات» هنا البراهين والأوامر والنواهي. و {يظلمون} أي يضعونها في غير مواضعها بالكفر والتكذيب...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

... {الذين خسروا أنفسهم} أي التي هي رأس مالهم، فكيف بما دونها...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

..وظاهر هذا التقسيم أنه لفريقي المؤمنين على تفاوت درجاتهم في الفلاح، والكافرين على تفاوت دركاتهم في الخسران، فإن من مات مؤمنا فهو مفلح وإن عذب على بعض ذنوبه بقدرها، فهذا الوزن الإجمالي الذي يمتاز به فريق الجنة وفريق السعير وهنالك قسم ثالث استوت حسناتهم وسيئاتهم وهم أصحاب الأعراف وسيأتي ذكرهم في هذه السورة، ويتبع الوزن الإجمالي الوزن التفصيلي للفريقين...

تفسير القرآن للمراغي 1371 هـ :

..وإذا كان العلم الحديث كشف موازين للحر والبرد واتجاه الرياح والأمطار، أفيعجز القادر على كل شيء عن وضع موازين للأعمال النفسية والبدنية التي سماها الدين الحسنات والسيئات، بما تحدثه في الأنفس من الأخلاق والصفات الثابتة فيها؟...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

... قد خسروا أنفسهم. فماذا يكسبون بعد؟ إن المرء ليحاول أن يجمع لنفسه. فإذا خسر ذات نفسه فما الذي يبقى له؟... ولا ندخل هنا في طبيعة الوزن وحقيقة الميزان -كما دخل فيه المتجادلون بعقلية غير إسلامية في تاريخ الفكر "الإسلامي "!...

فكيفيات أفعال الله كلها خارجة عن الشبيه والمثيل. مذ كان الله سبحانه ليس كمثله شيء.. وحسبنا تقرير الحقيقة التي يقصد إليها السياق.. من أن الحساب يومئذ بالحق، وأنه لا يظلم أحد مثقال ذرة، وأن عملاً لا يبخس ولا يغفل ولا يضيع...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والخسران حقيقته ضد الرّبح، وهو عدم تحصيل التّاجر على ما يستفضله من بيعه، ويستعار لفقدان نفع ما يرجى منه النّفع، فمعنى {خسروا أَنفُسَهُم} فقدوا فوائدها، فإن كلّ أحد يرجو من مواهبه، وهي مجموع نفْسِه، أن تجلب له النّفع وتدفع عنه الضرّ: بالرأي السَّديد، وابتكار العمل المفيد، ونفوس المشركين قد سوّلت لهم أعمالاً كانت سبب خفّة موازين أعمالهم، أي سبب فقد الأعمال الصّالحة منهم، فكانت نفوسهم كرأس مال التّاجر الذي رجا منه زيادة الرّزق فأضاعه كلّه فهو خاسر له، فكذلك هؤلاء خسروا أنفسهم إذ أوقعتهم في العذاب المقيم، وانظر ما تقدّم في قوله تعالى: {الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون} في سورة الأنعام (20). وقوله تعالى: {فما ربحت تجارتهم} في سورة البقرة (16).

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

... وخسران نفوسهم في هذا يشير إلى معان ثلاثة:

أولها: انهم هم الذين كانوا بأعمالهم في الدنيا عاملين على خسارتها فلم تكن الخسارة لاحقة بهم من غيرهم.

ثانيها: أن العذاب خسارة للنفس أي خسارة وأنهم هم الذين جلبوا لها هذه الخسارة الخالدة.

ثالثها: انهم كانوا يحسبون في ضلالهم في الدنيا انهم يكسبون بغطرستهم وكبريائهم واغترارهم بمظاهر القوة فبين الله تعالى انهم الاخسرون أعمالا، وذلك عند ميزان الأعمال بميزان الخير والشر، لا بميزان الغرور والاستكبار.

وقوله تعالى: (بما كانوا بآياتنا يظلمون) أي أن هذه الخسارة التي خسروا بها أنفسهم بسبب أنهم كانوا مستمرين طول حياتهم الدنيوية مكذبين بآياتنا الدالة على وحدانية الله سبحانه وتعالى وأضاف سبحانه وتعالى الآيات اليه للإشارة إلى عظم تكذيبهم لأنهم يكذبون الآيات المنسوبة إليه، سبحانه وتعالى، فتكذيب اكبر من في الوجود ومنشئ الوجود اكبر تكذيب واكبر ظلم وقدم قوله تعالى: (بآياتنا) على (يظلمون) لان الآيات الله هي محور الحق وميزانه وبرهانه...