الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ} (9)

قوله تعالى : " والوزن يومئذ الحق " ابتداء وخبر . ويجوز أن يكون " الحق " نعته ، والخبر " يومئذ " . ويجوز نصب " الحق " على المصدر . والمراد بالوزن وزن أعمال العباد بالميزان . قال ابن عمر : توزن صحائف أعمال العباد . وهذا هو الصحيح ، وهو الذي ورد به الخبر على ما يأتي . وقيل : الميزان الكتاب الذي فيه أعمال الخلق . وقال مجاهد : الميزان الحسنات والسيئات بأعيانها . وعنه أيضا والضحاك والأعمش : الوزن والميزان بمعنى العدل والقضاء ، وذكر الوزن ضرب مثل ، كما تقول : هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه ، أي يعادله ويساويه وإن لم يكن هناك وزن . قال الزجاج : هذا سائغ من جهة اللسان ، والأولى أن يتبع ما جاء في الأسانيد الصحاح من ذكر الميزان . قال القشيري : وقد أحسن فيما قال ، إذ لو حمل الميزان على هذا فليحمل الصراط على الدين الحق ، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد ، والشياطين والجن على الأخلاق المذمومة ، والملائكة على القوى المحمودة . وقد أجمعت الأمة في الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل . وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر ، وصارت هذه الظواهر نصوصا . قال ابن فورك : وقد أنكرت المعتزلة{[7008]} الميزان بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها ، إذ لا تقوم بأنفسها . ومن المتكلمين من يقول : إن الله تعالى يقلب الأعراض أجساما فيزنها يوم القيامة . وهذا ليس بصحيح عندنا ، والصحيح أن الموازين تثقل بالكتب التي فيها الأعمال مكتوبة ، وبها تخف . وقد روي في الخبر ما يحقق ذلك ، وهو أنه روي ( أن ميزان بعض بني آدم كاد يخف بالحسنات فيوضع فيه رق مكتوب فيه " لا إله إلا الله " فيثقل ) . فقد علم أن ذلك يرجع إلى وزن ما كتب فيه الأعمال لا نفس الأعمال ، وأن الله سبحانه يخفف الميزان إذا أراد ، ويثقله إذا أراد بما يوضع في كفتيه من الصحف التي فيها الأعمال . وفي صحيح مسلم عن صفوان بن محرز قال : قال رجل لابن عمر : كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النجوى{[7009]} ؟ قال سمعته يقول : ( يدنى المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول هل تعرف ؟ فيقول أي رب أعرف قال : فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم فيعطي صحيفة حسناته ، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله ) . فقوله : ( فيعطى صحيفة حسناته ) دليل على أن الأعمال تكتب في الصحف وتوزن . وروى ابن ماجة من حديث عبدالله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق فينشر عليه تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر ثم يقول الله تبارك وتعالى هل تنكر من هذا شيئا ، فيقول لا يا رب فيقول أظلمتك كتبتي الحافظون فيقول : لا . ثم يقول ألك عذر ألك حسنة ؟ فيهاب الرجل فيقول : لا . فيقول بلى إن لك عندنا حسنات وإنه لا ظلم عليك اليوم ، فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقول إنك لا تظلم ، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ) . زاد الترمذي ( فلا يثقل مع اسم الله شيء ) وقال : حديث حسن غريب . وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في " الكهف{[7010]} والأنبياء{[7011]} " إن شاء الله تعالى . قوله تعالى : " فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون . ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون " جمع ميزان ، وأصله مِوْزَان ، قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها . وقيل : يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد يوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله . ويمكن أن يكون ذلك ميزانا واحدا عبر عنه بلفظ الجمع ، كما تقول : خرج فلان إلى مكة على البغال ، وخرج إلى البصرة في السفن . وفي التنزيل : " كذبت قوم نوح المرسلين " [ الشعراء : 105 ] . " كذبت عاد المرسلين{[7012]} " [ الشعراء : 123 ] . وإنما هو رسول واحد في أحد التأويلين . وقيل : الموازين جمع موزون ، لا جمع ميزان . أراد بالموازين الأعمال الموزونة . " ومن خفت موازينه " مثله . وقال ابن عباس : توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان كفتان ، فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة فيوضع في كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته ، فذلك قوله : " فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون " ويؤتى بعمل الكافر في أقبح صورة فيوضع في كفة الميزان فيخف وزنه حتى يقع في النار . وما أشار إليه ابن عباس قريب مما قيل : يخلق الله تعالى كل جزء من أعمال العباد جوهرا ، فيقع الوزن على تلك الجواهر . ورده ابن فورك وغيره . وفي الخبر ( إذا خفت حسنات المؤمن أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات ، فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم بأبي أنت وأمي ! ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن أنت ؟ فيقول أنا محمد نبيك وهذه صلواتك التي كنت تصلي علي قد وفيتك أحوج ما تكون إليها ) . ذكره القشيري في تفسيره . وذكر أن البطاقة ( بكسر الباء ) رقعة فيها رقم المتاع بلغة أهل مصر . وقال ابن ماجة : قال محمد بن يحيى : البطاقة الرقعة ، وأهل مصر يقولون للرقعة بطاقة . وقال حذيفة : صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السلام ، يقول الله تعالى : ( يا جبريل زن بينهم فرد من بعض على بعض ) . قال : وليس ثم ذهب ولا فضة ، فإن كان للظالم حسنات أخذ من حسناته فرد على المظلوم ، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتحمل على الظالم ، فيرجع الرجل وعليه مثل الجبال . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن الله تعالى يقول يوم القيامة يا آدم ابرز إلى جانب الكرسي عند الميزان وانظر ما يرفع إليك من أعمال بنيك فمن رجح خيره على شره مثقال حبة فله الجنة ، ومن رجح شره على خيره مثقال حبة فله النار حتى تعلم أني لا أعذب إلا ظالما ) .


[7008]:في ز: الإمامية
[7009]:يريد مناجاة الله تعالى للعبد يوم القيامة.
[7010]:راجع ج 11 ص 22 وص 293.
[7011]:راجع ج 13 ص 118 وص 122.
[7012]:راجع ج 13 ص 118 وص 122