في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يُرِدۡكَ بِخَيۡرٖ فَلَا رَآدَّ لِفَضۡلِهِۦۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} (107)

( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ، وإن يردك بخير فلا راد لفضله ، يصيب به من يشاء من عباده ، وهو الغفور الرحيم ) . .

فالضر نتيجة لازمة لسنة الله الجارية حين يتعرض الإنسان لأسبابه ، والخير كذلك . .

فإن مسك الله بضر عن طريق جريان سنته فلن يكشفه عنك إنسان ، إنما يكشف باتباع سنته ، وترك الأسباب المؤدية إلى الضر إن كانت معلومة ، أو الالتجاء إلى الله ليهديك إلى تركها إن كانت مجهولة . وإن أراد بك الخير ثمرة لعملك وفق سنته فلن يرد هذا الفضل عنك أحد من خلقه . فهذا الفضل يصيب من عباده من يتصلون بأسبابه وفق مشيئته العامة وسنته الماضية . ( وهو الغفور الرحيم )الذي يغفر ما مضى متى وقعت التوبة ، ويرحم عباده فيكفر عنهم سيئاتهم بتوبتهم وعملهم الصالح وعودتهم إلى الصراط المستقيم .

هذه خلاصة العقيدة كلها ، مما تضمنته السورة ، يكلف الرسول [ ص ] أن يعلنهما للناس ، ويوجه إليه الخطاب بها كأنما على مشهد منهم . وهم هم المقصودون بها . إنما هو أسلوب من التوجيه الموحي المؤثر في النفوس . ويقف رسول الله [ ص ] بها في وجه القوة والكثرة ؛ ووجه الرواسب الجاهلية ، ووجه التاريخ الموغل بالمشركين في الشرك . . يعلنها في قوة وفي صراحة وهو في عدد قليل من المؤمنين في مكة ، والقوة الظاهرة كلها للمشركين . .

ولكنها الدعوة وتكاليفها ، والحق وما ينبغي له من قوة ومن يقين .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يُرِدۡكَ بِخَيۡرٖ فَلَا رَآدَّ لِفَضۡلِهِۦۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} (107)

{ وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ 107 }

المفردات :

يمسسك : يصبك .

التفسير :

4 { وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ . . . } الآية .

أي : وإن تتعرض لضرر يمس جسمك أو مالك ؛ من مرض أو فقر أو ألم ، فلا كاشف أو لا رافع له إلا الله .

{ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } .

وإن يردك أو يخصك الله بخير منه في دينك أو دنياك ، من نصر ورخاء ونعمة وعافية ، فلا دافع لفضله إلا الله ؛ إذ لا راد لقضائه ، ولا معقب لحكمه ، ولا مانع لفضله ، وهو القادر على كل شيء ؛ يمنح ويمنع ويعطي ويحرم ، يفعل كل ذلك بحكمة وعلم .

«وكل خير من الله تعالى فهو تفضل منه سبحانه ؛ لأن نعمه التي تنزل على عباده ؛ تنزل عليهم بلا استحقاق منهم عليه ، بل هو المبتدئ لهم بالنعم دون استحقاق ، ومن ذلك : ابتداؤه بخلقهم ، وإحسان صورهم ، وتمكينهم في الأرض ، وكل ما أنعم به عليهم ، ومنه : الهداية ، ومنه : النبوة ، التي اختص بها محمد صلى الله عليه وسلم ، فهي من فضل الله لا يقدر أحد أن يردها . { يصيب به } . أي : بفضله ، { من يشاء من عباده } . بمحض اختيار المولى سبحانه وتعالى » . xli

وفي كتاب الجوهرة : وهو منظومة فنية في علم التوحيد :

ولم تكن نبوة مكتسبة *** ولو رقى في الخير أعلى عقبة

بل ذاك فضل الله يؤتيه من *** يشاء جل الله واهب المنن

فإذا تفضل الله على محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة ؛ فليس من حق أحد أن يعترض عليه ؛ لأن العطاء منة وتفضل من الله وحده ، قال تعالى : { أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما } . ( النساء : 54 ) . وقال تعالى : { والله يؤتي ملكه من يشاء } . ( البقرة : 247 ) ، وقال سبحانه : { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير } . ( آل عمران : 26 ) .

فالله صاحب الفضل ، وهو صاحب التصرف في هذا الفضل ،

{ يصيب من يشاء من عباده } ، والله تعالى كثير الصفح والعفو وهو أهل التقوى وأهل المغفرة ، ومن جملة ما يغفره : تقصير عباده عن إحصاء نعمه تعالى ، وهو سبحانه غافر الذنب وقابل التوب .

{ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } . كثير المغفرة والرحمة .

والله تعالى له حكمة سامية في إصابة بعض الناس بالضر والبلاء ، فقد يكون ذلك اختبارا لهم وامتحانا لصبرهم وثباتهم ، قال تعالى : { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } . ( الأنبياء : 35 ) . وقد يكون البلاء لرفع المنزلة ، أو تكفير لذنب .

روى البخاري في صحيحه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما يصيب المسلم من نصب ، ولا وصب ، ولا هم ولا حزن ، ولا أذى ، ولا غم ، حتى الشوكة يشاكها ؛ إلا كفر الله بها من خطاياه ) . xlii

وكما يكون الضر ابتلاء من الله لعباده لإظهار مدى إيمانهم وصبرهم ، يكون الخير كذلك لإظهار مدى شكرهم له وإقبالهم عليه ، قال تعالى : { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } . ( الأنبياء : 35 ) . و قد يكون الخير تكريما من الله لعباده الصالحين ، وتعجيلا بنصيب من الثواب في الدنيا ، قال تعالى : { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين } . ( النحل : 30 ) ، وكما قال سبحانه : { ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا } . ( الطلاق : 4 ) .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يُرِدۡكَ بِخَيۡرٖ فَلَا رَآدَّ لِفَضۡلِهِۦۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} (107)

{ 107 } { وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }

هذا من أعظم الأدلة على أن الله وحده المستحق للعبادة ، فإنه النافع الضار ، المعطي المانع ، الذي إذا مس بضر ، كفقر ومرض ، ونحوها { فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ } لأن الخلق ، لو اجتمعوا على أن ينفعوا بشيء ، لم ينفعوا إلا بما كتبه الله ، ولو اجتمعوا على أن يضروا أحدا ، لم يقدروا على شيء من ضرره ، إذا لم يرده الله ، ولهذا قال : { وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ } أي : لا يقدر أحد من الخلق ، أن يرد فضله وإحسانه ، كما قال تعالى : { مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ ، فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ }

{ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } أي : يختص برحمته من شاء من خلقه ، والله ذو الفضل العظيم ، { وَهُوَ الْغَفُورُ } لجميع الزلات ، الذي يوفق عبده لأسباب مغفرته ، ثم إذا فعلها العبد ، غفر الله ذنوبه ، كبارها ، وصغارها .

{ الرَّحِيمِ } الذي وسعت رحمته كل شيء ، ووصل جوده إلى جميع الموجودات ، بحيث لا تستغنى عن إحسانه ، طرفة عين ، فإذا عرف العبد بالدليل القاطع ، أن الله ، هو المنفرد بالنعم ، وكشف النقم ، وإعطاء الحسنات ، وكشف السيئات والكربات ، وأن أحدًا من الخلق ، ليس بيده من هذا شيء إلا ما أجراه الله على يده ، جزم بأن الله هو الحق ، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل .

ولهذا -لما بين الدليل الواضح قال بعده : -