في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ} (92)

48

وفي نهاية الاستعراض الذي شمل نماذج من الرسل ، ونماذج من الابتلاء ، ونماذج من رحمة الله - يعقب بالغرض الشامل من هذا الاستعراض :

( إن هذه أمتكم أمة واحدة ، وأنا ربكم فاعبدون ) . .

إن هذه أمتكم . أمة الأنبياء . أمة واحدة . تدين بعقيدة واحدة . وتنهج نهجا واحدا . هو الاتجاه إلى الله دون سواه .

أمة واحدة في الأرض ، ورب واحد في السماء . لا إله غيره ولا معبود إلا إياه .

أمة واحدة وفق سنة واحدة ، تشهد بالإرادة الواحدة في الأرض والسماء .

وهنا يلتقي هذا الاستعراض بالمحور الذي تدور عليه السورة كلها ؛ وتشترك في تقرير عقيدة التوحيد ، تشهد بها مع سنن الكون وناموس الوجود . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ} (92)

{ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ( 92 ) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ ( 93 ) فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ ( 94 ) وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ( 95 ) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ ( 96 ) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ ( 97 ) }

التفسير :

92 - إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ .

الأمة : القوم المجتمعون على أمر ، ثم شاع استعمالها في الدين .

تأتي هذه الآية ، في أعقاب حديث طويل عن عدد من الرسل والأنبياء ، حيث ذكر قصة إبراهيم ولوط ونوح وداود وسليمان ، وأيوب وإسماعيل وإدريس وذي الكفل ، وذي النون وزكريا ويحيى وعيسى عليهم الصلاة والسلام ، ثم عقب على ذلك بأن الأديان كلها من عند الله ، والرسل جميعا هدفهم واحد ، هو دعوة الناس إلى عبادة الله الواحد الأحد ، والعناية بمكارم الأخلاق ، والاستقامة على الصراط المستقيم ، والبعد عن الرذائل والموبقات ، فأهداف الرسالات جميعا ، تتلخص في هدفين :

1 – إصلاح العقيدة والإيمان بالله وحده لا شريك له .

2 – إصلاح السلوك بالاستقامة على الطريق السوي ، وفعل الطاعات واجتناب المحرمات ، فالأديان كلها متفقة على تحريم القتل والزنى وعقوق الوالدين والكذب ، وأكل أموال الناس بالباطل ، وعلى الأمر بصلة الرحم والتواضع والتعاون والتسامح ، والأديان كلها متفقة على عبادة الله وحده لا شريك له ، والإيمان بالكتب والرسل واليوم الآخر .

إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ .

إن هذه أمة الرسالات أمة واحدة ، تلتقي على الإيمان بالله ، والتحلي بمكارم الأخلاق ، والسير على الطريق القويم ، واجتناب الرذائل والمحرمات .

وقد روى البخاري في صحيحه : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( الأنبياء إخوة لعلات ؛ أمهاتهم شتى ودينهم واحد )30 .

وإخوة العلات هم إخوة الضرائر ، أبوهم واحد وأمهاتهم متعددة ، فالرسل جميعا ديانتهم تقوم على توحيد الله ، وقد اجتهد كل رسول في إصلاح الخلل الاجتماعي والأخلاقي ، الذي ساد في قومه ، فحارب لوط المثلية الجنسية ، وحارب شعيب تطفيف الكيل والميزان ، وحارب موسى طغيان الحاكم وتأليه الفرعون ، وحارب عيسى مادية اليهود ، وكانت رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين ، فعنيت بتوحيد الله وتعميق عقيدة التوحيد ، وعنيت بوسطية الرسالة ، فهي رسالة وسط ، تهتم بالروح والجسد ، وإصلاح الدنيا والآخرة ، وهي تؤمن بالرسل والكتب والملائكة واليوم الآخر .

وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ .

أي : اتجهوا إلى الله تعالى بالإخلاص في التقوى والعبادة ، فلا نعبد إلا الله ، ولا نستعين إلا بالله .

وفي سورة الفاتحة : إياك نعبد وإياك نستعين .

والمسلمون جميعا أمة واحدة ، دينهم واحد ، ونبيهم واحد ، وكتابهم واحد ، وقبلتهم واحدة ، وأمتهم واحدة ، يجمعهم وحدة الهدف ، ويدعوهم القرآن إلى الوحدة قال تعالى : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا . . . ( آل عمران : 103 ) .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ} (92)

ولما ذكر الأنبياء عليهم السلام ، قال مخاطبا للناس : { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } أي : هؤلاء الرسل المذكورون هم أمتكم وائمتكم الذين بهم تأتمون ، وبهديهم تقتدون ، كلهم على دين واحد ، وصراط واحد ، والرب أيضا واحد .

ولهذا قال : { وَأَنَا رَبُّكُمْ } الذي خلقتكم ، وربيتكم بنعمتي ، في الدين والدنيا ، فإذا كان الرب واحدا ، والنبي واحدا ، والدين واحدا ، وهو عبادة الله ، وحده لا شريك له ، بجميع أنواع العبادة كان وظيفتكم والواجب عليكم ، القيام بها ، ولهذا قال : { فَاعْبُدُونِ } فرتب العبادة على ما سبق بالفاء ، ترتيب المسبب على سببه .