ثم يمضي - بعد الإعراض عنهم وإهمالهم - في تمجيد الخالق وتوحيده بما يليق بربوبيته للسماوات والأرض والعرش العظيم :
( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ، وهو الحكيم العليم . وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما ، وعنده علم الساعة ، وإليه ترجعون . ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ) . .
وهو تقرير الألوهية الواحدة في السماء وفي الأرض ، والتفرد بهذه الصفة لا يشاركه فيها مشارك . مع الحكمة فيما يفعل . والعلم المطلق بهذا الملك العريض .
84- { وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم } .
هو سبحانه منزه عن الولد ، وأيضا منزه عن المكان ، والكيف والكم والطول والعرض .
قال تعالى : { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } . ( الشورى : 11 ) .
فليس له مكان يستقر فيه ، بل له الألوهية والربوبية في الكون كله ، وفي كل مكان ، ويستحيل عليه المكان ، لأنه يكون محدودا محصورا في جهة معينة له حجم ونهاية ، وتلك صفات الحوادث ، والله منزه عنها ، فلا يحده زمان أو مكان ، والحكمة البالغة والعلم الواسع يتنافيان مع إثبات الولد لله27 .
{ وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله . . . }
أي : هو إله من في السماء ، وإله من في الأرض ، يعبده أهلهما ، وكلهم خاضعون له ، أذلاء بين يديه { وهو الحكيم العليم } .
وهذه الآية كقوله سبحانه وتعالى : { وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون } . ( الأنعام : 3 ) .
ثم أكد - سبحانه - أنه هو الإِله الحق ، وأن كل ما عداه باطل ، فقال : { وَهُوَ الذي فِي السمآء إله وَفِي الأرض إله وَهُوَ الحكيم العليم } .
والجار والمجرور فى قوله { فِي السمآء . . وَفِي الأرض } متعلق بلفظ { إله } ، لأنه بمعنى معبود أو بمعنى مستحق للعبادة ، وهذا اللفظ الكريم خبر مبتدأ محذوف ، أى : هو إله . . .
أى : وهو - سبحانه - وحده المعبود بحق فى السماء ، والمعبود بحق فى الأرض ، لا إله غيره ، ولا رب سواه ، وهو - عز وجل - { الحكيم } فى كل أقواله وأفعاله { العليم } بكل شئ فى هذا الوجود .
فالآية الكريمة تدل على أن المستحق للعبادة من أهل السماء ومن أهل الأرض ، هو الله - تعالى - ، وكل معبود سواه فهو باطل .
قال الجمل ما ملخصه : قوله - سبحانه - : { وَهُوَ الذي فِي السمآء إله . . . } الجار والمجرور متعلق بلفظ إله ، لأنه بمعنى معبود فى السماء ومعبود فى الأرض . .
وبما تقرر من أن المراد بإله : معبود ، اندفع ما قيل من أن يقتضى تعدد الآلهة ، لأن النكرة إذا أعيدت نكرة تعددت ، كقولك : أنت طالق وطالق .
وإيضاح هذا الإِندفاع ، أن الإِله بمعنى المعبود ، وهو - تعالى - معبود فهيما . والمغايرة إنما هى بين معبوديته فى السماء ، ومعبوديته فى الأرض ، لأن المعبودية من الأمور الإِضافية فيكفى التغاير فيها من أحد الطرفين ، فإذا كان العابد فى السماء غير العابد فى الأرض ، صدق أن معبوديته فى السماء غير معبوديته فى الأرض مع أن المعبود واحد ، وفيه دلالة على اختصاصه - تعالى - باستحقاق الألوهية ، فإن التقديم يدل على الاختصاص . .
قوله : { وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله } أي أن الله الذي له الإلهية ، والمتفرد بالوحدانية لهو معبود في السماء ومعبود في الأرض ، فهو بذلك يعبد فيهما . ولا تتجلى هذه الصفة الكبرى لأحد سوى الله ، وهي دليل عظمته البالغة وأنه الصانع الحكيم الذي لا تنبغي العبادة ولا الإذعان إلا لجلاله العظيم . ومما يقتضيه مفهوم هذه الآية أن نوقن أن الله وحده الحاكم المشرع لأهل الأرض . لا جرم أن هذه واحدة من خصائص الإلهية العظمى ، فالله الذي خلق السماوت فأبدعهم إبداعا وأنشأ فيهن روعة البناء والخلق ، وبث فيهن مالا يحصى من الأجرام والكائنات فكان ذلك كله في غاية القوة والاتساق والانتظام والترابط ، لهو جدير به ألا يدع البشرية على الأرض مضطربة بغير نظام ولا تشريع . لقد وضع الله للبشرية تشريعها المناسب في الأرض ، لأنه سبحانه الأقدر على ذلك ، فهو العالم بالأحوال والحقائق والطبائع { وهو الحكيم العليم } الله الحكيم في تدبير شؤون خلقه ، العليم بما يصلحهم وينفعهم في دينهم ودنياهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.