في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} (39)

38

ومن ثم يتوجه الخطاب إليهم بالتهديد :

( إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ، ولا تضروه شيئاً ، واللّه على كل شيء قدير ) . .

والخطاب لقوم معينين في موقف معين . ولكنه عام في مدلوله لكل ذوي عقيدة في اللّه . والعذاب الذي يتهددهم ليس عذاب الآخرة وحده ، فهو كذلك عذاب الدنيا . عذاب الذلة التي تصيب القاعدين عن الجهاد والكفاح ، والغلبة عليهم للأعداء ، والحرمان من الخيرات واستغلالها للمعادين ؛ وهم مع ذلك كله يخسرون من النفوس والأموال أضعاف ما يخسرون في الكفاح والجهاد ؛ ويقدمون على مذبح الذل أضعاف ما تتطلبه منهم الكرامة لو قدموا لها الفداء . وما من أمة تركت الجهاد إلا ضرب اللّه عليها الذل ، فدفعت مرغمة صاغرة لأعدائها أضعاف ما كان يتطلبه منها كفاح الأعداء . .

( ويستبدل قوماً غيركم ) . .

يقومون على العقيدة ، ويؤدون ثمن العزة ، ويستعلون على أعداء اللّه :

( ولا تضروه شيئاً ) . .

ولا يقام لكم وزن ، ولا تقدمون أو تؤخرون في الحساب !

( واللّه على كل شيء قدير ) . .

لا يعجزه أن يذهب بكم ، ويستبدل قوماً غيركم ، ويغفلكم من التقدير والحساب !

إن الاستعلاء على ثقلة الأرض وعلى ضعف النفس ، إثبات للوجود الإنساني الكريم . فهو حياة بالمعنى العلوي للحياة : وإن التثاقل إلى الأرض والاستسلام للخوف إعدام للوجود الإنساني الكريم . فهو فناء في ميزان اللّه وفي حساب الروح المميزة للإنسان .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} (39)

39 – { إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ . . . } الآية

أي : إن تباطأتم أيها المؤمنون عن الجهاد ؛ يعذبكم الله عذابا أليما ، ويستبدل بكم قوما سواكم لنصرة نبيه ، ولن تضروه شيئا من الضرر بسبب تقاعسكم ؛ لأنكم أنتم الفقراء إليه والله هو الغني الحميد .

{ ولا تضروه شيئا } .

الضمير يمكن أن يعود إلى الله عز وجل . أي : لا تضروا الله شيئا بتوليكم عن الجهاد وتثاقلكم ؛ فهو القاهر فوق عباده .

وقيل : الضمير للرسول أي : ولا تضروه ؛ لأن الله وعده أن يعصمه من الناس ، وأن ينصره ، { ولن يخلف الله وعده } . ( الحج : 47 ) .

{ والله على كل شيء قدير } .

فهو سبحانه قادر على الانتصار من الأعداء بدونكم وقد وعد رسوله بالنصر ، وإظهار دينه ، فإن لم يكن هذا الإظهار بأيديكم ، فلا بد أن يكون بأيدي غيركم ؛ وهو سبحانه فعال لما يريد .

وقد اشتملت هذه الآية والآية التي قبلها على أقوى الأساليب التي ترغب في الجهاد ، وترهب من النكوص عنه ، وتبعث على الطاعة لله ورسوله .