{ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ } من الأحمال الثقيلة ، بل وتحملكم أنتم { إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ } ولكن الله ذللها لكم .
فمنها ما تركبونه ، ومنها ما تحملون عليه ما تشاءون من الأثقال إلى البلدان البعيدة والأقطار الشاسعة ، { إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } إذ سخر لكم ما تضطرون إليه وتحتاجونه ، فله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه ، وعظيم سلطانه وسعة جوده وبره .
ولما كانت الأسفار بعد ذلك ، تلاه بقوله تعالى : { وتحمل } أي الأنعام { أثقالكم } أي أمتعتكم مع المشقة { إلى بلد } أي غير بلدكم أردتم السفر إليه { لم تكونوا } - أي كوناً أنتم مجبولون عليه - قادرين على حملها إليه ، وتبلغكم - بحملها لكم - إلى بلد لم تكونوا { بالغيه } بغير الإبل { أي بشق } أي بجهد ومشقة وكلفة { الأنفس } ويجوز أن يكون المعنى : لم تبلغوه بها ، فكيف لو لم تكن موجودة ؛ والشق : أحد نصفي الشيء ، كأنه كناية عن ذهاب نصف القوة لما يلحق من الجهد ؛ والآية من الاحتباك : ذكر حمل الأثقال أولاً دليلاً على حمل الأنفس ثانياً ، وذكر مشقة البلوغ ثانياً دليلاً على مشقة الحمل أولاً .
ولما كان هذا كله من الإحسان في التربية ، ولا يسخره للضعيف إلا البليغ في الرحمة ، وكان من الناس من له من أعماله سبب لرضى ربه ، ومنهم من أعماله كلها فاسدة ، قال : { إن ربكم } أي الموجد لكم والمحسن إليكم { لرؤوف } أي بليغ الرحمة لمن يتوسل إليه بما يرضيه { رحيم * } أي بليغ الرحمة بسبب وبغير سبب .
قوله : { وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس } الأثقال جمع ثقل وهو المتاع الذي يثقل حمله . وهذه واحدة من الفوائد الكبيرة التي يجنيها العباد من الأنعام ، إذ تحمل أحمالهم الثقيلة ( إلى بلد ) أي بلد بعيد ، كاليمن أو الشام أو مصر بالنسبة لسكان الحجاز . وهذه المسافة في حسابات الأعراف الماضية كانت كبيرة فلا يقطعها المسافرون إلا بعد جهد بالغ ونصب شديد وهو قوله : ( لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ) بكسر الشين ؛ أي لا تصلون ما تبتغون من بلد بعيد إلا بمشقة الأنفس وإعيائها وتكليفها الجهد المضني .
قوله : ( إن ربكم لرؤوف رحيم ) رؤوف من الرأفة وهي أشد الرحمة{[2496]} . والله جل وعلا عظيم الرحمة بعباده ، ومما يكشف عن بالغ رحمته هذه : ما ذرأه لهم من صنوف المخلوقات مما جعله مذللا ميسرا لتحصيل المنافع للناس ، ومن بين ذلك الأنعام{[2497]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.