تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا} (32)

{ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ( 32 ) }

التفسير :

32- { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا } .

ولا تقربوا ، أي : لا تقتربوا منه ولا من مقدماته ، كاللمسة والقبلة والنظرة والغمزة والفاحشة : الفعلة الظاهرة القبح ، وساء سبيلا : قال الطبري : ساء طريق الزنا طريقا ؛ لأنه طريق أهل معصية الله والمخالفين أمره ، فأسوئ به طريقا يورد صاحبه نار جهنم !

من مفاسد الزنا :

1- اختلاط الأنساب واشتباهها ، وإذا اشتبه المرء في الولد الذي أتت به الزانية أمنه أم من غيره ؛ لا يقوم بتربيته ولا يستمر في تعهده وذلك مما يوجب إضاعة النسل وانتشار الفساد .

2- فتح باب النزاع والاضطراب بين الناس ؛ دفاعا عن العرض فكم سمعنا بحوادث قتل كان مبعثها الإقدام على الزنا حتى إنه ليقال عند السماع بحادث قتل : ( فتش عن المرأة ) .

3- أنه ليس المقصود من المرأة مجرد قضاء الشهوة ، بل أن تصير شريكة للرجل في ترتيب المنزل وإعداد مهامه وأن تكون راعية للأولاد وهذه المهام لا تتم على وجه الكمال إلا إذا كانت مختصة برجل واحد منقطعة له دون غيره من الناس .

ونلاحظ أن الله تعالى ذكر النهي عن قتل الأولاد ، ، وقبل النهي عن قتل النفس ، وعلة ذلك أن الزنا في حد ذاته قتل من نواحي شتى : أنه قتل ابتداء ؛ لأنه إراقة لمادة الحياة في غير موضعها ، يتبعه غالبا الرغبة في التخلص من آثاره بقتل الجنين قبل أن يتخلق قبل مولده أو بعد مولده ، فإذا ترك الجنين للحياة ترك في الغالب لحياة شريرة ؛ أو حياة مهينة فهي حياة مضيعة في المجتمع على نحو من الأنحاء . . وهو قتل في صورة أخرى قتل للجماعة التي يفشوا فيها ، فتضيع الأنساب وتختلط الدماء وتذهب الثقة في العرض والولد ، وتتحلل الجماعة وتتفكك روابطها ، فتنتهي إلى ما يشبه الموت بين الجماعات ، وهو قتل للجماعة من جانب آخر ، إذ إن سهولة قضاء الشهوة عن طريقه يجعل الحياة الزوجية نافلة لا ضرورة لها ويجعل الأسرة تبعة لا داعي لها ، والأسرة هي المحصن الصالح للتربية وهي الجو الملائم لتنشئة الأطفال ورعايتهم وتعذيب غرائزهم ورعاية نموهم النفسي والبدني والاجتماعي ، وقد كتب أحد علماء التربية الأجانب كتابا بعنوان : ( أطفال بلا أسر ) ، ذكر فيه : أنه لاحظ البون الشاسع بين الأطفال التي تنشأ في الملاجئ والمؤسسات ، والأطفال التي تنشأ في أسرة طبيعية ، فأطفال المؤسسات عندهم بطء في الاستجابة للمناغاة والمناداة وبصعوبة بالغة يمكن أن تنتزع من أحدهم ابتسامة ، أما الطفل الطبيعي فهو طبيعي في انفعاله ومناغاته ومناجاته ، وذلك له أثره في النمو النفسي والتكامل الاجتماعي لشخصية الطفل في مستقبل حياته .

وإذا رجعنا إلى تاريخ البشرية الطويل رأينا أنه ما من امة من الأمم فشت فيها الفاحشة ؛ إلا صارت إلى انحلال وهزيمة ، وقد يغتر بعضنا بأن أوربا وأمريكا تملكان زمام القوة المادية اليوم مع فشو هذه الفاحشة فيهما ، ولكن آثار هذا الانحلال في الأمم القديمة منها كفرنسا ظاهرة لا شك فيها ، أما في الأمم الغنية كالولايات المتحدة ، فإن فعلها لم تظهر بعد آثاره بسبب حداثة هذا الشعب ، واتساع موارده ، كالشاب الذي يسرف في شهواته فلا يظهر أثر الإسراف في بنيته وهو شاب ولكن سرعان ما يتحطم عندما يدلف إلى الكهولة فلا يقوى على احتمال آثار السن كما يقوى عليها المعتدلون من أنداده .

والقرآن يحذر من مقاربة الزنا . وهي مبالغة في التحرز ؛ لأن الزنا تدفع إليه شهوة عنيفة ، فالتحرز من المقاربة أضمن ، عند المقاربة من أسبابه لا يكون هناك ضمان .

ومن ثم يأخذ الإسلام الطريق على أسبابه الدافعة ؛ توقيا للوقوع فيه ، يكره الاختلاط في غير ضرورة ، ويحرم الخلوة ، وينهى عن التبرج بالزينة ، ويحض على الزواج لمن استطاع ، ويوصي بالصوم لمن لا يستطيع . ويكره الحواجز التي تمنع من الزواج كالمغالاة في المهور ، وينفي الخوف من العيلة والإملاق بسبب الأولاد ويحض على مساعدة من يبتغون الزواج ؛ ليحصنوا أنفسهم ، ويوقع أشد العقوبة على الجريمة حين تقع ، وعلى رمي المحصنات الغافلات دون برهان . . . إلى آخر وسائل الوقاية والعلاج ، ليحفظ الجماعة الإسلامية من التردي والانحلال .

روى الإمام أحمد عن أبي أمامة : أن فتى شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، ائذن لي بالزنا فأقبل القوم عليه فجزروه ، وقالوا : مه مه{[381]} . فقال : ( ادنه ) . فدنا منه قريبا فقال : ( اجلس ) فجلس ، فقال : ( أتحبه لأمك ؟ ) قال : لا والله جعلني الله فداك ، قال : ( ولا الناس يحبونه لأمهاتهم ) ، قال : ( أفتحبه لابنتك ؟ قال : لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك . قال : ( ولا الناس يحبونه لبناتهم ) . قال : ( أفتحبه لأختك ؟ ) قال : لا والله جعلني الله فداك . قال : ( ولا الناس يحبونه لأخواتهم ) . قال : ( أفتحبه لعمتك ؟ ) قال : لا والله جعلني الله فداك . قال : ( ولا الناس يحبونه لعماتهم ) . قال : لا والله جعلني الله فداك . قال : ( ولا الناس يحبونه لخالاتهم ) . قال : فوضع يده عليه وقال : ( اللهم ، اغفر ذنبه وطهر قلبه وأحصن فرجه ) قال : فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء{[382]} .

وفي الحديث ( ما من ذنب يعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له ){[383]} .

وفي صحيح البخاري يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة ، فالعينان تزنيان وزناهما النظر ، واليدان تزنيان وزناهما اللمس ، والرجلان تزنيان وزناهما الخطى ، والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه ){[384]} .

الزنا الموجب للحد

عرف الفقهاء الزنا بأنه : وطء الرجل المرأة في القبل حراما كالميل في المكحلة ، أو القلم في الدواة .

وجاء في كتاب الاختيار ما يأتي :

يثبت الزنا بالبينة والإقرار ، والبينة أن يشهد أربعة على رجل أو امرأة بالزنا فإذا شهدوا يسألهم القاضي عن ماهيته وكيفيته ومكانه وزمانه والمزنى بها فإذا بينوا ذلك ، وذكروا أنها محرمة عليه من كل وجه وشهدوا به كالميل في المكحلة والقلم في الدواة وعدلوا في السر والعلانية ؛ حكم القاضي عليه بالحد : وحد الزنا إذا كان محصنا {[385]} الرجم بالحجارة حتى يموت ويخرج إلى أرض فضاء فإن كان ثبت بالبينة يبتدئ بالشهود ، ثم الإمام ، ثم الناس فإذا امتنع الشهود أو بعضهم ؛ لا يرجم . وإذا تبت بالإقرار ابتدأ الإمام ، ثم الناس .

وإن لم يكن محصنا فحده الجلد مائة جلدة يضرب بسوط لا ثمرة {[386]} له ضربا متوسطا يفرقه على أعضائه إلا رأسه ووجهه وفرجه ، ويجرد عن ثيابه إلا الإزار ، ولا تجرد المرأة إلا عن الفرو والحشو{[387]} .

والأصل في عقوبة الزنا ما ورد من تقديرها بمائة جلدة في الآية الثانية والثالثة من سورة النور ، حيث يقول سبحانه : { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهم مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } ، الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرّم ذلك على المؤمنين } . ( النور : 3 ، 2 ) .

ونلاحظ أن بعض الخوارج والشيعة وبعض المعتزلة يرون أن لا عقوبة في الزنا غير الجلد مائة جلدة للمتزوج وغير المتزوج{[388]} .

وقد ورد في التوراة : أن عقوبة الزاني المحصن الرجم ، جاء في سفر التثنية ( وإذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل فوجدها رجل بالمدينة فأضجع معها ؛ فأخرجوهما كليهما من المدينة وارجموهما بالحجارة حتى يموتا ، الفتاة من أجل أنها لم تصرخ في المدينة ، والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه فينتزع الشر من المدينة ) .

والخلاصة :

1- أن جلد الزناة يثبت بالنصوص الصريحة التي لا شبهة فيها .

2- أن دين الفضيلة يحارب الرذيلة بعقوبة قاسية رادعة ؛ لأن رذيلة الزنا تدفع إليها شهوة جامحة فلا بد أن تكون عقوبتها شديدة .

3- أن الإنسان الشهواني الذي يذوق عسيلة الرذيلة ويستطيبها يجب أن يعاقب بما يكون أشد إيلاما لجسمه ، كما أحس جسمه باللذة فيجب أن يوزع الجلد على جميع هذا الجسم ؛ ليكون الجزاء من جنس العمل .

أضرار الزنا

تحدث الأطباء عن أضرار الزنا من الناحية الصحية فذكروا أنه سبب لكثير من الأمراض والأوبئة وهذا مصداق قوله صلى الله عليه وسلم : ما ظهرت الفاحشة في قوم يتعامل بها علانية ؛ إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن فيمن قبلهم ) . والطاعون : كل وباء فتاك ينخر في عظام الإنسان كما ينخر السوس في مادة الخشب .

الزهري

يقول الدكتور أحمد وصفي في كتابه ( القرآن والطب ) :

( الزهري : ثالث مرض في العالم يتسبب في إزهاق النفوس وتضييع الأرواح وينتشر في العالم انتشار فاحشة الزنا ، والإصابة به في لندن وحدها حوالي 10% وفي عاصمة فرنسا 15% من سكانها ولا يقل عدد المصابين به في القطر المصري ، عن المليونين .

هذا المرض يعدي بمجرد اللمس عن طريق الزنا أو بمجرد تقبيل المصاب لغيره أو ملامسته وتسببه جرثومة خاصة تسمى ( الأسبيروشيت باليدا ) وينقل الزهري بالوراثة إلى نسل المصابين به .

ويفتك الزهري بمخ الزاني فتكا ذريعا فتلتهب سحاياه خاصة جزء ( الأم الجنون ) وتصاب كذلك أوعيته الدموية التي تضيق حتى ينتهي الأمر بإفسادها .

السيلان

والسيلان : من الأمراض الفتاكة التي تسببها كذلك هذه الفاحشة ، ويسبب الداء جرثومة خاصة تسمى : بالجونوككس ، وهو كثير في مدن العالم .

وهو مرض فتاك يترك المصاب به في حالة من الألم والمرض ، مما يعطل حركته ويشل تفكيره ويجعله عضوا أشل في المجتمع .

إصابة المرأة :

ولقد ثبت أن كل امرأة اتصلت برجل مصاب بهذا الداء ؛ لا بد أن تصاب به هي الأخرى ؛ لاستعدادها لقبول العدوى ، ولقابلية جهازها التناسلي لاستقبال جراثيمه المرضية ، فتفتك به ، وتعطل وظيفته ، إذا لم تفقدها تماما .

إصابة الرجل :

ويصيب السيلان الرجل إصابات بالغة إذا تلتهب عنده كذلك فتحة البول ويشتد احمرارها ، وتصاب حوافيها بالورم ، فتنقلب على نفسها ، وقد تتآكل أطرافها ، ثم يمتد الورم في عضو التناسل فيعوق التبول ويشعر المصاب بالآلام المبرحة أثناءه .

وتصاب البروستاتا كذلك بالسيلان إصابة شديدة فتلتهب ويزداد حجمها ، ولعل إصابة الحويصلات المنوية من أشد الإصابات وعن طريقها ينتقل المرض إلى الطرف الآخر .

أمراض أخرى

وهناك أمراض أخرى لا يستهان بها يصاب بها الزناة ، منها : القرحة الرخوة ، وجرب التناسل ، وسنط التناسل ، وقمل العانة ، وغير ذلك من الأوبئة الفتاكة التي تنتق بالعدوى بين الزناة الملوثين{[389]} .

ولعل فيما نقلت مثلا لبعض ما عناه تعال في قوله عن الزنا : { إنه كان فاحشة وساء سبيلا } ( الإسراء : 32 ) .


[381]:- مه: اسم فعل بمعنى: اكفف عما تقول.
[382]:- أتحبه لأمك؟!: رواه أحمد في مسنده (21708) من حديث أبي أمامة قال: إن فتى شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا؛ فأقبل القوم عليه فزجروه قالوا: مه مه! فقال: (ادنه) فدنا منه قريبا قال: فجلس، قال: (أتحبه لأمك؟) قال: لا والله جعلني الله فداءك قال: (ولا الناس يحبونه لبناتهم) قال: (أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله جعلني فداءك قال: (ولا الناس يحبونه لأخواتهم) قال: (أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله جعلني فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لعماتهم) قال: (أفتحبه لخالتك؟) قال: لا والله جعلني الله فداءك قال: (ولا الناس يحبونهم لخالاتهم) قال: فوضع يده عليه وقال: (اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه) فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء. قال الهيثمي في المجمع: رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله الصحيح.
[383]:- ما من ذنب بعد الشرك أعظم: ذكر السيوطي في الجامع الصغير (8030) بلفظ: (ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له). ونسبه لابن أبي الدنيا عن الهيثم بن مالك الطائي. قال المناوي في الفيض: قال في التقريب: ثقة من الخامسة وهو صريح في كونه غير صحابي فكان على المنصف أن يقول: مرسلا.
[384]:- إن الله كتب على ابن آدم حظه: رواه البخاري في الاستئذان ح6243، وفي القدر ح 6612، ومسلم في القدر ح 2657، وأبو داود في النكاح ح 2152، وأحمد ح 7662، 67437، 27023، من حديث أبي هريرة.
[385]:- المحصن: هو الذي سبق له الزواج.
[386]:ثمر السياط: عقد أطرافها.
[387]:- الاختيار (فقه حنفي) تأليف: عبد الله موصلي 3/40-41.
[388]:- المؤتمر الرابع لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ص ‍185.
[389]:- الدكتور/محمد وصفي، القرآن والطب 83-103 وبه وصف تفصيلي لأمراض الزنا وأوبائه التي تقشعر منها الأبدان وتنفر منها النفوس.
 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا} (32)

{ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى } بمباشرة مباديه القريبة أو البعيدة فضلاً عن مباشرته ، والنهي عن قربانه على خلاف ما سبق ولحق للمبالغة في النهي عن نفسه ولأن قربانه داع إلى مباشرته ، وفسره الراغب بوطء المرأة من غير عقد شرعي ، وجاء في المد والقصر وإذا مد يصح أن يكون مصدر المفاعلة ، وتوسيط النهي عنه بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن قتل النفس المحرمة مطلقاً كما قال شيخ الإسلام باعتبار أنه قتل للأولاد لما أنه تضييع للأنساب فإن من لم يثبت نسبه ميت حكماً .

{ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } فعلة ظاهرة القبح زائدته { وَسَاء سَبِيلاً } أي وبئس السبيل سبيلاً لما فيه من اختلال أمر الأنساب وهيجان الفتن ، وقد روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن » وجاء في غير رواية أنه إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة فإن تاب ونزع رجع إليه وهو من الكبائر ، وفاحشة مطلقاً على ما أجمع عليه المحققون بل في الحديث الصحيح أنه بحليلة الجار من أكبر الكبائر ، وزعم الحليمي أنه فاحشة إن كان بحليلة الجار أو بذات الرحم أو بأجنبية في شهر رمضان أو في البلد الحرام وكبيرة إن كان مع امرأة الأب أو حليلة الابن أو مع أجنبية على سبيل القهر والإكراه وإذا لم يوجب حدا يكون صغيرة ، ولا يخفى رده وضعف مبناه ، والآية ظاهرة في أنه فاحشة مطلقاً نعم أفحش أنواعه الزنا بحليلة الجار ، وقال بعضهم : أعظم الزنا على الإطلاق الزنا بالمحارم فقد صحح الحاكم أنه صلى الله عليه وسلم قال : «من وقع على ذات محرم فاقتلوه » وزنا الثيب أقبح من زنا البكر بدليل اختلاف حديهما ، وزنا الشيخ لكمال عقله أقبح من زنا الشاب ، وزنا الحر والعالم لكمالهما أقبح من زنا القن والجاهل ، وهل هو أكبر من اللواط أم لا ؟ فيه خلاف وفي الأحياء أنه أكبر منه لأن الشهوة داعية إليه من الجانبين فيكثر وقوعه ويعظم الضرر ، ومنه اختلاط الأنساب بكثرته ، وقد يعارض بأن حده أغلظ بدليل قول مالك وآخرين برجم اللوطي ولو غير محصن بخلاف الزاني .

وقد يجاب بأن المفضول قد يكون فيه مزية ، وفيه ما فيه ، وبالغ بعضهم فقال : إنه مطلقاً يلي الشرك في الكبر ، والأصح أن الذي يلي الشرك هو القتل ثم الزنا ، وخبر الغيبة أشد من ثلاثين زنية في الإسلام الظاهر كما قال ابن حجر الهيثمي أنه لا أصل له ، نعم روى الطبراني . والبيهقي . وغيرهما الغيبة أشد من الزنا إلا أن له ما يبين معناه وهو ما رواه ابن أبي الدنيا . وأبو الشيخ عن جابر . وأبي سعيد رضي الله تعالى عنهما إياكم والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا أن الرجل ليزنى فيتوب الله تعالى عليه وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه فعلم منه أن أشدية الغيبة من الزنا ليست على الإطلاق بل من جهة أن التوب الباطنة المستوفية لجميع شروطها من الندم من حيث المعصية والإقلاع وعزم أن لا يعود مع عدم الغرغرة وطلوع الشمس من مغربها مكفرة لإثم الزنا بمجردها بخلاف الغيبة فإن التوبة وإن وجدت فيها هذه الشروط لا تكفرها بل لا بد وأن ينضم إليها استحلال صاحبها مع عفو فكانت الغيبة أشد من هذه الحيثية لا مطلقاً فلا يعكر الحديث على الأصح ، وعلم منه أيضاً أن الزنا لا يحتاج في التوبة منه إلى استحلال وهو ما صرح به غير واحد من المحققين وهو مع ذلك من الحقوق المتعلقة بالآدمي كيف لا وهو من الجناية على الإعراض والأنساب ، ومعنى قولهم إن الزنا لا يتعلق به حق آدمي أي من المال ونحوه وعدم اشتراط الاستحلال لا يدل على أنه ليس من الحقوق المتعلقة بالآدمي مطلقاً ، وإنما لم يشترط الاستحلال لما يترتب على ذكره من زيادة العار والظن الغالب بأن نحو الزوج أو القريب إذا ذكر له ذلك يبادر إلى قتل الزاني أو المزني بها أو إلى قتلهما معاً ومع ما ذكر كيف يمكن القول باشتراطه ، وقد صرح بنحو ذلك حجة الإسلام الغزالي في منهاج العابدين فقال في ضمن تفصيل قال الأذرعي : إنه في غاية الحسن والتحقيق أما الذنب في الحرم فإن خنته في أهله وولده فلا وجه للاستحلال والإظهار لأنه يولد فتنة وغيظاً بل تتضرع إلى الله سبحانه ليرضيه عنك ويجعل له خيراً كثيراً في مقابلته فإن أمنت الفتنة والهيج وهو نادر فتستحل منه ، وقد ق الأذرعي في مواضع في الحسد والتوبة منه : ويشبه أن يحرم الإخبار به إذا غلب على ظنه أن لا يحلله وأنه يتولد منه عداوة وحقد وأذى للمخبر ، ثم قال : ويجوز أن ينظر إلى المحسود فإن كان حسن الخلق بحيث يظن أنه يحلله تعين أخباره ليخرج من ظلامته بيقين وإن غلب على ظنه أن إخباره يجر شراً وعداوة حرم إخباره قطعاً وإن تردد فالظاهر ما ذكره النووي من عدم الوجوب والاستحباب فإن النفس الزكية نادرة وربما جر ذلك شراً وعداوة وإن حلله بلسانه اه ، فإذا كان هذا في الحسد مع سهولته عند أكثر الناس وعدم مبالاتهم به ون ثم أطلق النووي عدم الإخبار فقال : المختار بل الصواب أنه لا يجب إخبار المحسود بل لا يستحب ولو قيل يكره لم يبعد فما بالك في الزنا المستلزم أن الزوج والقريب يقتل فيه بمجرد التوهم فكيف مع التحقق ويعلم من الأخبار أن ثمرات الزنا قبيحة منها أنه يورد النار والعذاب الشديد وأنه يورث الفقر وذهاب البهاء وقصد العمر وأنه يؤخذ بمثله من ذرية الزاني ، ولما قيل لبعض الملوك ذلك أراد تجربته بابنة له وكانت غاية في الحسن فأنزلها مع امرأة وأمرها أن لا تمنع أحداً أراد التعرض لها بأي شيء شاء وأمرها بكشف وجهها فطافت بها في الأسواق فما مرت على أحد إلا وأطرق حياء وخجلاً منها فلما طافت بها المدينة كلها ولم يمد أحد نظره إليها رجعت بها إلى دار الملك فلما أرادت الدخول أمسكها إنسان وقبلها ثم ذهب عنها فادخلتها على الملك وذكرت له القصة فسجد شكراً وقال : الحمد لله تعالى ما وقع مني في عمري قط إلا قبلة وقد قوصصت بها نسأل الله سبحانه أن يعصمنا وذراينا ومن ينسب إلينا من الفواحش ما ظهر منها وما بطن بحرمة النبي صلى الله عليه وسلم .

وقرأ أبي بن كعب كما أخرجه عنه ابن مردويه { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً * وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً * إِلاَّ مَن تَابَ * فَإِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } فذكر لعمر رضي الله تعالى عنه فأتاه فسأله فقال أخذتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لك عمل إلا الصفق بالنقيع وهذا إن صح كان قبل العرضة الأخيرة .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا} (32)

{ 32 } { وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا }

والنهي عن قربانه أبلغ من النهي عن مجرد فعله لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه فإن : " من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه " خصوصا هذا الأمر الذي في كثير من النفوس أقوى داع إليه .

ووصف الله الزنى وقبحه بأنه { كَانَ فَاحِشَةً } أي : إثما يستفحش في الشرع والعقل والفطر لتضمنه التجري على الحرمة في حق الله وحق المرأة وحق أهلها أو زوجها وإفساد الفراش واختلاط الأنساب وغير ذلك من المفاسد .

وقوله : { وَسَاءَ سَبِيلًا } أي : بئس السبيل سبيل من تجرأ على هذا الذنب العظيم .