تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ} (46)

المفردات :

وقفينا : أتبعنا

مصدقا لما بين يديه : لما تقدمه .

التفسير :

46- وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ . . . وأتبعنا على آثار أولئك النبئين الذي أسلموا وجوههم لله ، وأخلصوا له العبادة ، والذين كانوا يحكمون بالتوراة كموسى وهارون وداود وسليمان وغيرهم- أتبعنا على آثارهم بعيسى بن مريم ناهجا نهجهم في الخضوع والطاعة والإخلاص لله رب العالمين .

وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ . وأعطيناه الإنجيل مشتملا على الهداية إلى الحق والنور الذي يستضاء به في إزالة الشبهات وحل المشكلات .

وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ . أي : ومؤيدا لها غير مخالف لما فيها إلا في القليل كما قال تعالى على لسان المسيح لنبي إسرائيل : ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم . ( آل عمران : 50 ) ولهذا كان المشهور من قول العلماء أن الإنجيل نسخ بعض أحكام التوراة {[255]}

وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ . أي : وجعلنا الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى هدى يهتدي به ، وزاجرا عن ارتكاب المحارم والمآثم لمن اتقى الله وخاف عقابه .


[255]:تفسير ابن كثير 2/64.
 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ} (46)

{ وَقَفَّيْنَا على ءاثارهم } شروع في بيان أحكام الإنجيل كما قيل إثر بيان أحكام التوراة ، وهو عطف على { أَنزَلْنَا التوراة } [ المائدة : 44 ] وضمير الجمع المجرور للنبيين الذين أسلموا كما قاله أكثر المفسرين ، واختاره علي بن عيسى والبلخي ، وقيل : للذين فرض عليهم الحكم الذي مضى ذكره ، وحكي ذلك عن الجبائي وليس بالمختار والتقفية الاتباع ، ويقال : قفا فلان إثر فلان إذا تبعه ، وقفيته بفلان إذا أتبعته إياه ، والتقدير هنا أتبعناهم على آثارهم { بِعَيسَى ابن مَرْيَمَ } فالفعل كما قيل : متعد لمفعولين أحدهما بنفسه والآخر بالباء ، والمفعول الأول محذوف ، و { على ءاثارهم } كالساد مسده لأنه إذا قفا به على آثارهم فقد قفاهم به ، واعترض بأن الفعل قبل التضعيف كان متعدياً إلى واحد ، وتعدية المتعدي إلى واحد لثان بالباء لا تجوز سواء كان بالهمزة أو التضعيف ، ورد بأن الصواب أنه جائز لكنه قليل ، وقد جاء منه ألفاظ قالوا : صك الحجر الحجر ، وصككت الحجر بالحجر ، ودفع زيد عمراً ودفعت زيداً بعمرو أن جعلته دافعاً له . وذهب بعض المحققين إلى أن التضعيف فيما نحن فيه ليس للتعدية ، وأن تعلق الجار بالفعل لتضمينه معنى المجيء أي جئنا بعيسى ابن مريم على آثارهم قافياً لهم فهو متعد لواحد لا غير بالباء ، وحاصل المعنى أرسلنا عيسى عليه السلام عقيبهم { مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ } حال من عيسى مؤكدة فإن ذلك من لازم الرسول عليه الصلاة والسلام .

{ وءاتيناه } عطف على { ثُمَّ قَفَّيْنَا } ، وقرأ الحسن بفتح الهمزة ، ووجه صحة ذلك أنه اسم أعجمي فلا بأس بأن يكون على ما ليس في أوزان العرب ، وهو بأفعيل أو فعليل بالفتح ، وإما إفعيل بالكسر فله نظائر كإبزيم وإحليل وغير ذلك { فِيهِ هُدًى وَنُورٌ } كما في التوراة ، والجملة في موضع النصب على أنها حال من الإنجيل ، وقوله تعالى : { وَمُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ } عطف على الحال وهو حال أيضاً ، وعطف الحال المفردة على الجملة الحالية وعكسه جائز لتأويلها بمفرد وتكرير هذا لزيادة التقرير ، وقوله عز وجل : { لّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتَّقِينَ } عطف على ما تقدم منتظم معه في سلك الحالية ، وجعل كله هدى بعد ما جعل مشتملاً عليه مبالغة في التنويه بشأنه لما أن فيه البشارة بنبينا صلى الله عليه وسلم أظهر ، وتخصيص المتقين بالذكر لأنهم المهتدون بهداه والمنتفعون بجدواه ، وجوز نصب { هُدًى * وَمَوْعِظَةً } على المفعول لها عطفاً على مفعول له آخر مقدر أي إثباتاً لنبوته وهدى الخ ، ويجوز أن يكونا معللين لفعل محذوف عامل فيه أي : وهدى وموعظة للمتقين آتيناه ذلك .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ} (46)

{ 46 ، 47 } { وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }

أي : وأتبعنا هؤلاء الأنبياءَ والمرسلين ، الذين يحكمون بالتوراة ، بعبدنا ورسولنا عيسى ابن مريم ، روحِ الله وكلمتِه التي ألقاها إلى مريم .

بعثه الله مصدقا لما بين يديه من التوراة ، فهو شاهد لموسى ولما جاء به من التوراة بالحق والصدق ، ومؤيد لدعوته ، وحاكم بشريعته ، وموافق له في أكثر الأمور الشرعية .

وقد يكون عيسى عليه السلام أخف في بعض الأحكام ، كما قال تعالى عنه أنه قال لبني إسرائيل : { وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ْ }

{ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ ْ } الكتاب العظيم المتمم للتوراة . { فِيهِ هُدًى وَنُورٌ ْ } يهدي إلى الصراط المستقيم ، ويبين الحق من الباطل . { وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ْ } بتثبيتها والشهادة لها والموافقة . { وَهُدًى وَمَوْعِظَة لِّلْمُتَّقِينَ ْ } فإنهم الذين ينتفعون بالهدى ، ويتعظون بالمواعظ ، ويرتدعون عما لا يليق .