الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ} (46)

قوله تعالى : { وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى } : قد تقدَّم معنى " قَفَّينا " وأنه من قفا يقفو أي : تبع قفاه في البقرة . وقوله : { عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى } كِلا الجارَّيْن متعلقٌ به على تضمينِه معنى " جئْنا به على آثارهم قافياً لهم " وتقدَّم أيضاً أن التضعيفَ فيه ليس للتعديةِ لعلة ذُكِرت هناك . وإيضاحُها أنَّ " قَفا " متعدٍ لواحدٍ قبلَ التضعيفُ ، قال تعالى : { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } [ الإِسراء : 36 ] ف " ما " موصولةٌ بمعنى الذي هي مفعول ، وتقول العربُ : " قَفا فلانٌ أثرَ فلانٍ " أي : تَبِعه ، فلو كان التضعيف للتعدِّي لتَعَدَّى إلى اثنين ، فكان التركيبُ يكون : " ثم قَفَّيْنا هم عيسى بن مريم " ف " هم " مفعول ثاني و " عيسى " أول ، ولكنه ضُمِّن كما تقدم ، فلذلك تعدَّى بالباء و " على " . قال الزمخشري : " قَفْيْتُه " مثل : عَقَّبْتُه إذا أتبعته ، ثم يقال : " قَفَّيْتُه بفلان " مثل : عَقَّبْتُه به ، فتعدِّيه إلى الثاني بزيادةِ الباء . فإنْ قلت : أين المفعولُ الأول ؟ قلت : هو محذوفٌ والظرفُ الذي " على آثارهم " كالسادِّ مسدِّه ، لأنه إذا قَفَّى به على اثرِه فقد قَفَّى به إياه " فكلامُه هنا ينحو إلى أنَّ " قَفَّيه " مضعفاً كقفوتُه ثلاثياً ثم عَدَّاه بالباء ، وهذا وإنْ كان صحيحاً من حيث إنَّ فَعًّل قد جاء بمعنى فَعَل المجرد كقَدَّر وقَدَر ، إلا أنّ بعضهم زعم أن تعديةَ المتعدي لواحد لا يتعدَّى إلىثاني بالباء ، لا تقول في " طعم زيد اللحمَ " : " أطعمتُ زيداً باللحم " ولكنَّ الصوابَ أنه قليل غيرُ ممتنعٍ ، جاءت منه ألفاظٌ قالوا : " صَكَّ الحجُر الحجرَ " ثم يقولون : صككتُ الحجرَ بالحجرِ ، و " دفع زيدٌ عمراً " ثم : دَفَعْتُ زيداً بعمرو ، أي : جعلتُه دافعاً له ، فكلامُه : إما ممتنع أو محمولٌ على القليل ، وقد أشَرْتُ إلى منعِ أدِّعاء حذفِ المفعول من نحو : { قَفَّيْنَا } [ الآية : 87 ] في البقرة فليُطلب ثَمَّة . وناقشَه الشيخ في قوله : " فقد قَفَّى به إياه " من حيث إنه أتى بالضمير المنفصل مع قدرته على المتصل ، فيقول : " قَفَّيْتُه به " قال : " ولو قلت : زيدٌ ضربْتُ بسوط إياه " لم يجز إلا في ضرورة شعر ، بل ضربتُه بسوط " وهذا ليس بشيء ، لأن ذلك من باب قوله : { يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ } [ الممتحنة : 1 ] { وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ }

[ النساء : 131 ] وقد تقدَّم تحقيقه .

والضمير في " آثارهم " إمَّا للنبيين لقولِه : { يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ } ، وإمَّا لِمَنْ كُتبت عليهم تلك الأحكام ، والأول أظهر لقوله في موضع آخر : { بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ } [ الحديد : 27 ] و " مصدقاً " حال من " عيسى " قال ابن عطية " وهي حالٌ مؤكدة " وكذلك قال في " مصدقاً " الثانية ، وهو ظاهرٌ فإنَّ مِنْ لازم الرَّسول والإِنجيل الذي هو كتاب إلهي أن يكونا مصدِّقَيْن .

و " لِما " متعلق به ، وقوله : { مِنَ التَّوْرَاةِ } حال : إمَّا من الموصول وهو " ما " المجرورةُ باللام ، وإمَّا من الضمير المستكنِّ في الظرف لوقوعِه صلةً ، ويجوز ان تكونَ لبيانِ جنس الموصول .

قوله : { وَآتَيْنَاهُ } يجوزُ فيها وجهان ، أحدُهما : أَنْ تكونَ عطفاً على قوله : { وَقَفَّيْنَا } فلا يكونُ لها محلُّ ، كما أنا المعطوف عليه لا محلَّ له ، ويجوز أن تكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ عطفاً على " مصدقاً " الأول إذا جُعل " مصدقاً " الثاني حالاً مِنْ " عيسى " أيضاً كما سيأتي ، ويجوز ان تكون الجملةُ حالاً وإنْ لم يكن " مصدقاً " الثاني حالاً من " عيسى " . وقوله : { فِيهِ هُدًى } يجوزُ أَنْ يكونَ " فيه " وحدَه حالاً من الإِنجيل " ، و " هُدى " فاعل به ، لأنه لَمَّا اعتمد على ذي الحال رَفَعَ الفاعل ، ويجوز أن يكون " فيه " خبراً مقدماً ، و " هدى " مبتدأ مؤخرٌ والجملةُ حال ، " ومصدقاً " حالٌ عطفاً على محل " فيه هدى " بالاعتبارين : أعني اعتبار أ نيكون " فيه " وحدَه هو الحالَ فعطفْتَ هذه الحال عليه ، وأن يكون " فيه هدى " جملةً اسميةً محلُّها النصب ، و " مصدقاً " عَطْفٌ على محلها ، وإلى هذا ذهب ابن عطية ، إلا أنَّ هذا مرجوحٌ من وجهين ، أحدهما : أنَّ أصلَ الحال أن تكونَ مفردةً والجارُّ أقربُ إلى المفرد من الجمل . الثاني : أنَّ الجملةَ الاسمية والقعة حالاً الأكثرُ أَنْ تأتيَ فيها بالواوِ وإنْ كان فيها ضميرٌ ، حتى زعم / الفراء - وتَبِعه الزمخشري - أنَّ ذلك لا يجوز إلا شاذاً وكونُ " مصدقاً " هذا حالاً مِنَ " الإِنجيل " هو الظاهرُ وأجاز مكي بن أبي طالب - وتبعه أبو البقاء - أن يكون " مصدقاً " الثاني حالاً أيضاً من " عيسى " كُرِّر توكيداً . قال ابن عطية : " وهذا فيه قلقٌ من جهة اتِّساق المعاني " قلت : إذا جعلنا " وآتيناه " حالاً منه ، وعَطَفْنا عليها هذه الحالَ الأخرى فلا أدري وجهَ القلق من الحيثية المذكورة ؟

وقوله : { وَهُدًى } الجمهورُ على النصب وهو على الحال : إمَّا من الإِنجيل ، عطفْتَ هذه الحال على ما قبلها ، وإمَّا من " عيسى " أي : ذا هدى وموعظة أو هادياً ، أو جُعِل نفسُ الهدى مبالغة . وأجاز الزمخشري أن ينتصبا على المفعول من أجله ، وجعل العاملَ فيه قولَه تعالى : { آتيناه } قال : " وأَنْ نتصِبا مفعولاً لهما لقوله : { وليحكمَ } كأنه قيل : وللهدى وللموعظةِ آتنياه الإِنجيل وللحكم .

وجَوَّز أبو البقاء وغيرُه أن يكونَ العاملُ فيه : " قَفَّينا " أي : فقينا للهدى والموعظة ، وينبغي إذا جُعِلا مفعولاً من أجله أَنْ يُقَدَّر إسنادها إلى الله تعالى لا إلى الإِنجيل ليصِحَّ النصبُ ، فإنَّ شرطَه اتحادُ المفعول له مع عاملِه فاعلاً وزماناً ، ولذلك لَمَّا اختلف الفاعلُ في قوله : " وليحكم أهل الإِنجيل " عُدِّي إليه باللام ، ولأنه خالفَة أيضاً في الزمان ، فإنَّ زمنَ الحكم مستقبلٌ وزمنَ الأنبياءِ ماضٍ ، بخلاف الهداية والموعظة فإنهما مقارنان في الزمان للإِيتاء . و " للمتقين " يجوز أن يكونَ صفة ل " موعظة " ويجوز ان تكونَ اللامُ زائدةً مقويةً ، و " المتقين " مفعول " ب " موعظة ، ولم تمنع تاءُ التأنيث من عمله لأنه مبنيٌّ عليها كقوله :

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ورهبةٌ *** عقابَك . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وقد تقدَّم الكلام على " الإِنجيل " واشتقاقُه وقراءةُ الحسن فيه بما أغنى عن إعادته . وقرأ الضحاك بن مزاحم : " وهدى وموعظة " بالرفع ، ووجهُها أنها خبرُ ابتداء مضمر أي : وهو هدى وموعظة .