طيبين : أي : طاهرين من ظلم أنفسهم بالمعاصي والكفر .
{ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } .
أي : هم الذين تقبض الملائكة أرواحهم حال كونهم أبرارا ، قد تطهروا من دنس الشرك والمعاصي طيبة نفوسهم بلقاء الله .
{ يقولون سلام عليكم } . أي : تسلم عليهم الملائكة وتبشرهم بالجنة ، قال ابن عباس : الملائكة يأتونهم بالسلام من قبل الله ، ويخبرونهم أنهم من أصحاب اليمين19 .
وقوله : { طيبين } ، كلمة مختصرة ، جامعة للمعاني الكثيرة ؛ وذلك لأنه يدخل فيه إتيانهم بكل ما أمروا به ، واجتنابهم عن كل ما نهوا عنه ، ويدخل فيه كونهم موصوفين بالأخلاق الفاضلة ، مبرئين عن الأخلاق المذمومة20 .
وقال مجاهد : الطيب من تزكو أقواله وأفعاله . اه .
وقال الراغب : الطيب من الناس من تعرّى من نجاسة الجهل والفسق وقبائح الخصال ، وتحلّى بالعلم والإيمان ومحاسن الأعمال . اه .
{ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين } .
طاهرين من الشرك ، أو صالحين ، أو زاكية أفعالهم وأقوالهم ، أو طيبين الأنفس ثقة بما يلقونه من ثواب الله .
{ يقولون سلام عليكم } . أي : تسلم عليهم الملائكة ؛ تبشيرا لهم بالجنة ؛ لأن السلام أمان .
{ ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } . أي : بسبب عملكم . اه .
( لن يدخل أحدكم الجنة عمله ) ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ ! قال : ( ولا أنا ؛ إلا أن يتغمدني الله برحمته ، فسددوا ، وقاربوا ، ولا يتمنين أحدكم الموت ؛ إما محسنا فلعله أن يزداد خيرا ، وإما مسيئا فلعله أن يتوب )21 ( رواه البخاري ) .
وفي معنى هذه الآيات يقول الله تبارك وتعالى : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون*نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدّعون*نزلا من غفور رحيم } . ( فصلت : 30 32 ) .
{ الذين تتوفاهم الملائكة } نعت للمتقين وجوز قطعه ، وقوله سبحانه : { طَيّبِينَ } حال من ضميرهم ، ومعناه على ما روي عن أبي معاذ طاهرين من دنس الشرك وهو المناسب لجعله في مقابلة { ظالمي أنفسهم } [ النحل : 28 ] في وصف الكفرة بناء على أن المراد بالظلم أعظم أنواعه وهو الشرك لكن قيل عليه : إن ذكر الطهارة عن الشرك وحده لا فائدة فيه بعد وصفهم بالتقوى .
وأجيب بأن فائدة ذلك الإشارة إلى أن الطهارة عن الشرك هي الأصل الأصيل . وفي إرشاد العقل السليم بعد تفسير الظلم بالكفر وتفسير طيبين بطاهرين عن دنس الظلم وجعله حالاً قال : وفائدته الايذان بأن ملاك الأمر في التقوى هو الطهارة عما ذكر إلى وقت توفيهم ، ففيه حث للمؤمنين على الاستمرار على ذلك ولغيرهم على تحصيله .
وقال مجاهد : المراد بطيبين زاكية أقوالهم وأفعالهم ، وهو مراد من قال : طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي وإلى هذا ذهب الراغب حيث قال : الطيب من الإنسان من تعرى من نجاسة الجهل والفسق وقبائح الأعمال وتحلي بالعلم والإيمان ومحاسن الأعمال وإياهم قصد بقوله سبحانه : { الذين تتوفاهم الملائكة طَيّبِينَ } .
وانتصر لذلك بأن وصفهم بأنهم متقون موعودون بالجنة في مقابلة الأعمال يقتضي ما ذكر ، وحملوا الظلم فيما مر على ما يعم الكفر والمعاصي لأن ذلك مجاب بقولهم : { ما كنا نعمل من سوء } [ النحل : 28 ] فلا تفوت المناسبة في جعل هذا مقابلاً لذاك لكن في الاستدلال بما ذكر في الجواب على إرادة العام ما لا يخفى ، والكثير على تفسير الطيب بالطاهر عن قاذورات الذنوب مطابق الذي لا خبث فيه ، وقيل : المعنى فرحين ببشارة الملائكة عليهم السلام إياهم أو بقبض أرواحهم لتوجه نفوسهم بالكلية إلى حضرة القدس ، فالمراد بالطيب طيب النفس وطيبها عبارة عن القبول مع انشراح الصدر { يَقُولُونَ } حال من الملائكة ، وجوز أن يكون «الذين » مبتدأ خبره هذه الجملة أي قائلين أو قائلون لهم : { سلام عَلَيْكُمُ } لا يحيقكم بعد مكروه .
قال القرطبي : وروى نحوه البيهقي عن محمد بن كعب القرظي إذا استدعيت نفس المؤمن جاءه ملك الموت عليه السلام فقال : السلام عليك يا ولي الله إن الله تعالى يقرأ عليك السلام وبشره بالجنة { ادخلوا الجنة } التي أعدها الله تعالى لكم ووعدكم إياها وكأنها إنما لم توصف لشهرة أمرها .
وفي إرشاد العقل السليم اللام للعهد أي { جنات عَدْنٍ } [ النحل : 31 ] الخ ولذلك جردت عن النعت وهو كما ترى ، والمراد دخولهم فيها بعد البعث بناء على أن المتبارد الدخول بالأرواح والأبدان والمقصود من الأمر بذلك قبل مجيء وقته البشارة بالجنة على أتم وجه ويجوز أن يراد الدخول حين التوفي بناء على حمل الدخول على الدخول بالأرواح كما يشير إليه خبر «القبر روضة من رياض الجنة » وكون البشار بذلك دون البشارة بدخول الجنة على المعنى الأول لا يمنع عن ذلك على أن لقائل أن يقول : إن البشارة بدخول الجنة بالأرواح متضمنة للبشارة بدخولها بالأرواح والأبدان عند وقته ؛ وكون هذا القول كسابقه عند قبض الأرواح هو المروي عن ابن مسعود .
وجماعة من المفسرين ، وقال مقاتل . والحسن : إن ذلك يوم القيامة ، والمراد من التوفي وفاة الحشر أعني تسليم أجسادهم وإيصالها إلى موقف الحشر من توفى الشيء إذا أخذه وافياً ، وجوز حمل التوفيس على المعنى المتعارف مع كون القول يوم القيامة إما بجعل { الذين تتوفاهم الملائكة } [ النحل : 28 ] يقولون مبتدأ وخبراً أو بجعل يقولون حالاً مقدرة من الملائكة { والذين } على حاله أولا وحال ذلك لا يخفى { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } أي بسبب ثباتكم على التقوى والطاعة بالذي كنتم تعملونه من ذلك ، والباء للسببية العادية ، وهي فيما في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم : «لن يدخل الجنة أحدكم بعمله » الحديث للسببية الحقيقية فلا تعارض بين الآية والحديث وبعضهم جعل الباء للمقابلة دفعاً للتعارض .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ الذين تتوفاهم الملائكة طَيّبِينَ } [ النحل : 32 ] طابت نفوسهم في خدمة مولاها وطابت قلوبهم في محبة سيدها وطابت أرواحهم بطيب مشاهدة ربها وطابت أسرارهم بطيب الأنوار ، وقيل : أبدانهم وأرواحهم بملازمة الخدمة وترك الشهوات .
وقيل : طيبة أرواحهم بالموت لكونه باب الوصال وسبب الحياة الأبدية
ثم حكى - سبحانه - ما تحييهم به الملائكة فقال : { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ . . } .
أى : هذا الجزاء الحسن لهؤلاء المتقين ، الذين تتوفاهم الملائكة ، أى : تقبض أرواحهم ، حال كونهم { طيبين } أى : مطهرين من دنس الشرك والفسوق والعصيان .
{ يقولون } أى الملائكة لهؤلاء المتقين عند قبض أرواحهم ، { سلام عليكم } أى : أمان عليكم من كل شر ومكروه .
{ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } أى : بسبب ما قدمتموه من أعمال صالحة .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - :
{ إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ }
هذا ، ولا تعارض بين قوله تعالى - { تتوفاهم الملائكة } وبين قوله فى آية أخرى
{ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ }
{ اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مِوْتِهَا }
لأن إسناد التوفى إلى ذاته - تعالى - ، باعتبار أن أحدا لا يموت إلا بمشيئته - تعالى - ، وإسناده إلى ملك الموت باعتباره هو المأمور بقبض الأرواح ، وإسناده إلى الملائكة باعتبارهم أعوانا له ، ولا تعارض - أيضا - بين قوله - تعالى - { ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } وبين ما جاء فى الحديث الصحيح : " لن يدخل أحدا عمله الجنة . . " .
لأن الأعمال الصالحة إنما هى أسباب عادية لدخول الجنة ، أما السبب الحقيقى فهو فضل الله - تعالى - ورحمته ، حيث قبل هذه الأعمال ، وكافأ أصحابها عليها .
وبعد أن بينت السورة الكريمة جانبا من أقوال المتقين ، وبشرتهم بما يسرهم ويشرح صدورهم ، عادت مرة أخرى لتهديد الكافرين ، لعلهم يزدجرون أو يتذكرون ، فقال - تعالى - : { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . . . } .