19 - إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ .
الفاحشة : الخصلة المفرطة في القبح ، وهي الزنا .
تطلق الفاحشة على كل أمر قبيح ، وأحيانا تطلق على الزنا خاصة .
ومقصود الآية : ذم من ينشر الأخبار الكاذبة ، ويذيع أنباء الزنا عن المحصنين والمحصنات من المؤمنين فهناك صنف من الناس لا يحلو له الحديث إلا في تجريح الشرفاء ولمز الغافلات المحصنات .
هذا الصنف مريض ، وربما كان فاسقا أو زانيا ويرى في سلوك كل شريف وشريفة تحديا له ، وإعلانا عن النزاهة والاستقامة في هذه الدنيا ، فهو يريد أن يستر كل خير ، وأن يذيع كل إثم ، وقد توعد الله هذا الصنف بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة ، وأوجب علينا أن نقفل أبواب الفتنة ، وأن نرفض كل حديث يتصل بتجريح الأعراض ، وأن نسد منافذ الشر والإثم في المجتمع ، وأن نحافظ على شبابنا وبناتنا من التيارات الغريبة ، والانحرافات الآثمة .
والآية تنطبق كذلك على إنشاء دور للفاحشة والبغاء ، وما يرغب الناس فيها ويثير غرائزهم الدنيئة ، من القصص والروايات والأشعار والغناء والصور والألعاب والمسارح والسينما ، كما تنطبق كذلك على المجالس والنوادي والفنادق ، التي يعقد فيها الرقص والطرب ويشترك فيه الرجال والنساء ، على صورة خليعة مختلطة .
فالقرآن يصرح بأن هؤلاء جميعا من الجناة ، يجب ألا ينالوا عقابهم في الآخرة فقط بل في الدنيا كذلك ، فمن واجب كل دولة مسلمة أن تبذل جهدها في استئصال جميع هذه الوسائل والأسباب لإشاعة الفاحشة ، وتقرر أن جميع هذه الأفعال جرائم مستلزمة للعقوبة ، وتؤاخذ عليها الشرطة والمحكمة81 .
وقد روى من حديث أبي الدرداء : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( أيما رجل شد عضد امرئ من الناس في خصومة لا علم له بها ؛ فهو في سخط الله حتى ينزع عنها ، وأيما رجل حال بشفاعته دون حد من حدود الله أن يقام ؛ فقد عاند الله حقا ، وأقدم على سخطه وعليه لعنة الله تتابع إلى يوم القيامة ، وأيما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة وهو منها برئ ، يريد أن يشينه بها في الدنيا ، كان حقا على الله تعالى أن يرميه بها في النار ) ، ثم تلا مصداقه من كتاب الله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ82 .
{ إِنَّ الذين يُحِبُّونَ } أي يريدون ويقصدون { أَن تَشِيعَ } أن تنتشر { الفاحشة } أي الخصلة المفرطة في القبح وهي الفرية والرمي بالزنا أو نفس الزنا كما روى عن قتادة ، والمراد بشيوعها شيوع خبرها { فِى الذين ءامَنُواْ } متعلق بتشيع أي تشيع فيما بين الناس .
وذكر المؤمنين لأنهم العمدة فيهم أو بمضمر هو حال من الفاحشة أي كائنة في حق المؤمنين وفي شأنهم والمراد بهم المحصنون والمحصنات كما روى عن ابن عباس { لَهُمْ } بسبب ذلك { عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى الدنيا } مما يصيبه من البلاء كالشلل والعمى { وَ } في { يَخَافُونَ الاخرة } من عذاب النار ونحوه ، وترتب ذلك على المحبة ظاهر على ما نقل عن الكرماني من أن أعمال القلب السيئة كالحقد والحسد ومحبة شيوع الفاحشة يؤاخذ العبد إذا وطن نفسه عليها ، ويعلم من الآية على أتم وجه سوء حال من نزلت الآية فيهم كابن أبي ومن وافقه قلباً وقالباً وأن لهم الحظ الأوفر من العذابين حيث أحبوا الشيوع وأشاعوا .
وقال بعضهم : المراد من محبة الشيوع الإشاعة بقرينة ترتب العذاب عليها فإنه لا يترتب إلا على الإشاعة دون المحبة التي لا اختيار فيها ، وإن سلم أن المراد بها محبة تدخل تحت الاختيار وهي مما يترتب عليها العذاب قلنا : إن ذلك هو العذاب الأخروي دون العذاب الدنيوي مثل الحد ، وقد فسر ابن عباس . وابن جبير العذاب الأليم في الدنيا هنا بالحد وهو لا يترتب على المحبة مطلقاً بالاتفاق ، ومن هنا قيل أيضاً : إن ذكر المحبة من قبيل الاكتفاء عن ذكر الشيء وهو الإشاعة بذكر مقتضيه تنبيهاً على قوة المقتضى ، وقيل : إن الكلام على التضمين أي يشيعون الفاحشة مبين شيوعها لأن كلا معنى المحبة والإشاعة مقصودان .
واستشكل تفسير العذاب الأليم في الدنيا بالحد بأنه لا يضم إليه العذاب الأليم في الآخرة لأن الحدود مكفرة . وأجيب بأن حكم الآية مخصوص بمن أشاع ذلك في حق أم المؤمنين ، وقيل : الحد لمن نقل الإفك من المسلمين والعذاب الأخروي لأبي عذرته ابن أبي والموصول عام لهما ، على أن في كون لحدود مطلقاً مكفرة خلافاً فبعضهم قال به فيما عدا الردة وبعضهم أنكره وبعضهم توقف فيه لحديث أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال : «لا أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا » ولعل الأنسب بمساق النظم الكريم من تقبيح الخائضين في الإفك المشيعين له هو ما ذكرناه أولاً ، والمراد بالموصول إمامهم على أن يكون للعهد الخارجي كما روى عن مجاهد . وابن زيد ؛ والتعبير بالمضارع في الصلة للإشارة إلى زيادة تقبيحهم بأنه قد صارت محبتهم لشيوع الفاحشة عادة مستمرة ، وأما ما يعمهم وغيرهم من كل من يتصف بمضمون الصلة على إرادة الجنس ويدخل أولئك المشيعون دخولاً أولياً كما قيل : { والله يَعْلَمُ } جميع الأمور التي من جملتها ما في الضمائر من المحبة المذكورة وكذا وجه الحكمة في تغليظ الوعيد { وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ما يعلمه سبحانه وتعالى .
والجملة اعتراض تذييلي جيء به تقريراً لثبوت العذاب له وتعليلاً له ، قيل : المعنى والله يعلم ما في ضمائرهم فيعاقبهم عليه في الآخرة وأنتم لا تعلمون ذلك بل تعلمون ما يظهر لكم من أقوالهم فعاقبوا عليه في الدنيا .
ثم يواصل القرآن الكريم توجيهاته الحكيمة للمؤمنين ، فيهدد الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا بالعذاب الأليم ، وينهى المؤمنين عن اتباع خطوات الشيطان ، قال تعالى : { إِنَّ الذين يُحِبُّونَ . . . } .
قال الإمام الرازى : " اعلم أنه - سبحانه - بعد أن بين ما على أهل الإفك ، وما على من سمع منهم ، وما ينبغى أن يتمسك به المؤمنون من آداب ، أتبعه بقوله : { إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفاحشة فِي الذين آمَنُواْ . . . } ليعلم أن من أحب ذلك فقد شارك فى هذا الذم ، كما شارك فيه من فعله ومن لم ينكره ، وليعلم أهل الإفك كما أن عليهم العقوبة فيما أظهروه ، فكذلك يستحقون العقوبة بما أسروه ، من محبة إشاعة الفاحشة فى المؤمنين .
ومعنى " تشيع " تنتشر وتكثر ، ومنه قولهم : شاع الحديث . إذا ظهر بين الناس .
والفاحشة : هى الصفة البالغة أقصى دركات القبح ، كالرمى بالزنا وما يشبه ذلك .
وهى صفة لموصوف محذوف . أى : الخصلة الفاحشة ، والمقصود بمحبة شيوعها : محبة شيوع خبرها بين عامة الناس .
والمعنى : إن الذين يحبون أن تنتشر قالة السوء بين صفوف المؤمنين ، وفى شأنهم ، لكى يلحقوا الأذى بهم ، هؤلاء الذين يحبون ذلك " لهم " بسبب نواياهم السيئة " عذاب أليم فى الدنيا " كإقامة الحد عليهم ، وازدراء الأخيار لهم ، ولهم - أيضا - عذاب أليم " فى الآخرة " وهو أشد وأبقى من عذاب الدنيا .
" والله " تعالى وحده " يعلم " ما ظهر وما خفى من الأمور والأحوال " وأنتم " أيها الناس - " لا تعلمون " إلا ما كان ظاهرا منها ، فعاملوا الناس على حسب ظواهرهم ، واتركوا بواطنهم لخالقهم ، فهو - سبحانه - الذى يتولى محاسبتهم عليها .
فالآية الكريمة يؤخذ منها : أن العزم على ارتكاب القبيح ، منكر يعاقب عليه صاحبه ، وأن محبة الفجور وشيوع الفواحش فى صفوف المؤمنين ، ذنب عظيم يؤدى إلى العذاب الأليم فى الدنيا والآخرة ، لأن الله - تعالى - علق الوعيد الشديد فى الدارين على محبة انتشار الفاحشة فى الذين آمنوا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.