تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ} (49)

48

المفردات :

صيحة واحدة : نفخة واحدة هي نفخة إسرافيل في الصور ، حيث يموت جميع الناس .

تأخذهم : تقهرهم وتستولي عليهم فيهلكون .

يخصمون : يختصمون ويتنازعون في أمورهم غافلين عنها .

التفسير :

49 { مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ } .

ما ينتظرون إلا صيحة واحدة ، لا ثانية لها ، حيث يموت الناس .

النفخ في الصور

الصور هو القرن أو النفير ، ونجد شيئا قريبا من ذك في الجيش حيث نجد بروجي ( عسكري ) ينفخ في مكبّر للصوت ، نوبة صحيان ، فيستيقظ جميع المعسكر ، وهكذا نوبة غذاء ، ونوبة عشاء .

وقد أفاد القرآن والسنّة وتفسير ابن كثير وغيره ، أن هناك ثلاث نفخات في الصور :

النفخة الأولى : نفخة الفَزَع ، حيث تفْزَع جميع الخلائق .

النفخة الثانية : نفخة الموت ، حيث يموت جميع الخلائق ، ولا يبقى حيا سوى الرحمان جل جلاله .

النفخة الثالثة : نفخة البعث ، حيث يقوم الناس لرب العالمين .

ومن العلماء من أدمج النفخة الأولى في الثانية ، حيث أفاد أن هناك نفختين :

الأولى : يصعق الناس جميعا ويموتون أربعين عاما .

الثانية : يبعثون للحساب .

قال تعالى : { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ } [ الزمر : 68 70 ] .

وقد أفادت السنة الصحيحة أن هذه النفخة الأولى ، تأخذ الناس وتفاجئهم بالموت والحتف ونهاية حياتهم ، فلا يستطيع إنسان أن يتم أكل اللقمة التي في فمه ، أو يشرب من الحوض الذي بناه بالجصّ والطين ، ولا يتم أي موضوع بدأ فيه .

أخرج الشيخان وغيرهما ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لتقومنّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوْبَهُما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ، ولتقومن الساعة والرجل يليط حوضه أي يسده بالطين والجصّ فلا يُسقى منه ، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن نعجته فلا يطَعمُه ، ولتقومنّ الساعة وقد رفع أكلته19 إلى فمه فلا يطعمها " 20 .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ} (49)

{ مَا يَنظُرُونَ } جواب من جهته تعالى أي ما ينتظرون { إِلاَّ صَيْحَةً } عظيمة { واحدة } وهي النفخة الأولى في الصور التي يموت بها أهل الأرض . وعبر بالانتظار نظراً إلى ظاهر قولهم { متى هذا الوعد } [ يس : 48 ] أو لأن الصيحة لما كانت لا بد من وقوعها جعلوا كأنهم منتظروها { تَأُخُذُهُمْ } تقهرهم وتستولي عليهم فيهلكون { وَهُمْ يَخِصّمُونَ } أي يتخاصمون ويتنازعون في معاملاتهم ومتاجرهم لا يخطر ببالهم شيء من مخايلها كقوله تعالى : { فأخذناهم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } [ الأعراف : 95 ] فلا يغتروا بعدم ظهور علائمها حسبما يريدون ولا يزعمون أنها لا تأتي ، وأخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال : «لينفخن في الصور والناس في طرفهم وأسواقهم ومجالسهم حتى أن الثوب ليكون بين الرجلين يتساومان فما يرسله أحدهما من يده حتى ينفح في الصور فيصعق به » وهي التي قال الله تعالى { مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحدة } الخ ، وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتومن الساعة والرجل يليط حوضه فلا يسقي منه ولتقو من الساعة وقد انصرف الرجل بلبن نعجته فلا يطعمه ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فمه فلا يطعمها " وأصل يخصمون يختصمون وبه قرأ أبي فسكنت التاء وأدغمت في الصاد بعد قلبها صادا ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين ، وجوز أن يكون الكسر لاتباع حركة الصاد الثانية والساكن لا يضر حاجزاً .

وقرأ الحرميان . وأبو عمرو . والأعرج . وشبل . وابن قسطنين بإدغام التاء في الصاد ونقل حركتها وهي الفتحة إلى الخاء ، وأبو عمرو أيضاً . وقالوا بخلف باختلاس حركة الخاء وتشديد الصاد ، وعنهما إسكان الخاء وتخفيف الصاد من خصمه إذا جادله ، والمفعول عليها محذوف أي يخصم بعضهم بعضاً ، وقيل يخصمون مجادلتهم عن أنفسهم ، وبعضهم يكسر ياء المضارعة إتباعاً لكسرة الخاء وشد الصاد ، وكسر ياء المضارعة لغة حكاها سيبويه عن الخليل في مواضع ، وعن نافع أنه قرى بفتح الياء وسكون الخاء وتشديد الصاد المكسورة ، وفيها الجمع بين الساكنين على حده المعروف ، وكأنه يجوز الجمع بينهما إذا كان الثاني مدغماً كان الأول حرف مد أيضاً أم لا ، وهذا ما اخترناه في نقل القراءات تبعاً لبعض الأجلة والرواة في ذلك مختلفون .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ} (49)

وهنا يجئ الرد الذى يزلزلهم ، عن طريق بيان بعض مشاهد يوم القيامة ، فيقول - سبحانه - : { مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ . فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ } .

المراد بالصيحة هنا : النفخة الأولى التى ينفخها إسرافيل بأمر الله - تعالى - فيموت جميع الخلائق .

وقوله { يَخِصِّمُونَ } أى : يختصمون فى أمور دنياهم . وفى هذا الفظ عدة قراءات سبعية .

منها قراءة أبو عمرو وابن كثير : { وَهُمْ يَخِصِّمُونَ } - بفتح الياء والخاء وتشديد الصاد مع الفتح - ومنها قراءة عاصم والكسائى : { وَهُمْ يَخِصِّمُونَ } بفتح الياء وكسر الخاء وتشديد الصاد مع الكسر .

ومنها قراءة حمزة { يَخِصِّمُونَ } بإسكان الخاء وكسر الصاد مع التخفيف .

أى : أن هؤلاء الكافرين الذين يستنكرون قيام الساعة ، ويستبعدون حصولها ، جاهلون غافلون ، فإن الساعة آتية لا ريب فيها ، وستحل بهم بغتة فإنهم ما ينتظرون { إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً } يصيحها إسرافيل بأمرنا ، فتأخذهم هذه الصيحة وتصعقهم وتهلكهم { وَهُمْ يَخِصِّمُونَ } أى : وهم يتخاصمون ، ويتنازعون فى أمور دنياهم .

وعندما تنزل بهم هذه الصيحة ، لا يستطيع بعضهم أن يوصى بعضا بما يريد أن يقول له ولا يستطيعون جميعا الرجوع إلى أهليهم ، لأنهم يصعقون فى أماكنهم التى يكونون فيها عند حدوث هذه الصيحة .

فأنت ترى أن الآيتين الكريمتين قد اشتملتا على أبلغ تصوير لأهوال علامات يوم القيامة ، ولسرعة مجئ هذه الأهوال .

أخرج الشيخان عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما ، فلا يتبايعانه ، ولا يطويانه ، وليتقومن الساعة والرجل يليط حوضه - أى يسده بالطين - فلا يسقى منه ، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن ناقته فلا يطعمه ، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فمه فلا يطعمها " .