استحيوا نساءهم : أي أبقوا النساء على قيد الحياة ، واقتلوا الذكور .
25- { فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال } .
عندما قال فرعون وملؤه عن موسى إنّه ساحر كذاب ، لم يمنعه ذلك من تبليغ رسالة ربه ، فقدم إليهم حقائق الرسالة وأصولها ، وهي الدعوى إلى الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، ونبذ عبادة الأصنام ، وعدم تأليه فرعون .
وحين عجز فرعون وملؤه عن مجابهة الحق الذي جاء به موسى ، أمروا بأن يقتل أبناء المؤمنين بموسى ، خوفا من أن يعضدوه وأن يساعدوه ، وأن تترك الإناث أحياء للخدمة والإذلال ، ولكن الله أبطل كيدهم وهزمهم ، وأغرق الله فرعون وجيشه ، ونجى موسى وقومه ، ليشاهد الناس عاقبة الصبر من المؤمنين ، وعاقبة الطغيان من الكافرين .
قال تعالى : { فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل . . . } ( الأحقاف : 35 ) .
{ وما كيد الكافرين إلا في ضلال } .
إن عنت فرعون ضدّ موسى وقومه ذهب سدى وضاع ، حيث نجى الله المؤمنين وأهلك الكافرين .
{ فَلَمَّا جَاءهُمْ بالحق مِنْ عِندِنَا } وبلغهم أمر الله تعالى غير مكترث بقولهم ساحر كذاب { قَالُواْ } غيظاً وحنقاً وعجزاً عن المعارضة { اقتلوا أَبْنَاء الذين ءامَنُواْ مَعَهُ واستحيوا نِسَاءهُمْ } أي أعيدوا عليهم ما كنتم تفعلونه بهم أولاً كي تصدوهم عن مظاهرة موسى عليه السلام ، فالأمر بالقتل والاستحياء وقع مرتين . المرة الأولى حين أخبرت الكهنة والمنجمون في قول فرعون بمولود من بني إسرائيل يسلبه ملكه ، والمرة الثانية هذه ، وضمير { قَالُواْ } لفرعون ومن معه .
وقيل : إن قارون لم يصدر منه مثل هذه المقالة لكنهم غلبوا عليه { وَمَا كَيْدُ الكافرين إِلاَّ فِى ضلال } في ضياع من ضلت الدابة إذا ضاعت ، والمراد أنه لا يفيدهم شيئاً فالعاقبة للمتقين ، واللام إما للعهد والإظهار في موقع الإضمار لذمهم بالكفر والإشعار بعلة الحكم أو للجنس والمذكورون داخلون فيه دخولاً أولياف ، والجملة اعتراض جيء به في تضاعيف ما حكي عنهم من الأباطيل للمسارعة إلى بيان بطلان ما أظهروه من الإبراق والإرعاد واضمحلاله بالمرة .
ثم لم يكتفوا بهذا القول ، بل انتقلوا إلى مرحلة أخرى أشد وأطغى ، فقالوا - كما حكى القرآن عنهم : { فَلَمَّا جَآءَهُمْ بالحق مِنْ عِندِنَا قَالُواْ اقتلوا أَبْنَآءَ الذين آمَنُواْ مَعَهُ واستحيوا نِسَآءَهُمْ . . . } .
أى : فحين وصل إليهم موسى - عليه السلام - بدعوته - وخاطبهم بما أمره الله - تعالى - أن يخاطبهم به ، وجابههم بالحق الذى زوده الله - تعالى - به .
ما كان منهم إلا أن قالوا - على سبيل التهديد والوعيد - : اقتلوا الذكور من أبناء الذين آمنوا مع موسى ، ودخلوا فى دينه ، واتركوا الإِناث بدون قتل لخدمتكم ، وليكون ذلك أبلغ فى إذلالهم . إذ بقاء النساء بدون رجال فتنة كبيرة . وذل عظيم .
والتعبير بقوله : { فَلَمَّا جَآءَهُمْ بالحق مِنْ عِندِنَا } يشعر بأن هؤلاء الظالمين قد جاءهم الحق إلى بيوتهم ومساكنهم ، وأنهم لم يخرجوا لطلبه ، وإنما هو الذى جاءهم عن طريق موسى ، المؤيد بآيات الله - تعالى - .
والقائلون : { اقتلوا أَبْنَآءَ الذين آمَنُواْ مَعَهُ واستحيوا نِسَآءَهُمْ } هم الملأ من قوم فرعون الذين كانوا يزينون له الظلم والعدوان . إرضاء له . وإرهابا لموسى - عليه السلام - ولمن آمن معه .
قال الإِمام الرازى : والصحيح أن هذا القتل كان غير القتل الذى وقع فى وقت ولادة موسى ، لأن القتل فى ذلك الوقت كان بسبب أن المنجمين قد أخبروا فرعون بولادة عدو له يظهر عليه ، فأمر بقتل الأبناء فى ذلك الوقت . وأما فى هذا الوقت . فموسى - عليه السلام - كان قد جاءه وأظهر المعجزات . فعند ذلك أمر بقتل أبناء الذين آمنوا معه ، لئلا ينشأوا على دين موسى ، فيقوى بهم . وهذه العلة مختصة بالبنين دون البنات . فلهذا السبب أمر بقتل الأبناء . .
وقوله - تعالى - : { وَمَا كَيْدُ الكافرين إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ } توهين لشأن الكافرين فى كل زمان ومكان ، وتشجيع للمؤمنين على أن يسيروا فى طريق الحق دون أن يرهبهم وعد أو وعيد . فإن النصر سيكون فى النهاية لهم .
أى : وما كيد الكافرين ومكرهم وعدوانهم ، إلا مصيره إلى الضلال والضياع والبطلان . يقال : ضل فلان الطريق إذا ضاع منه الرشد . والتبست عليه السبل . وصار تائها لا يعرف له طريقا يوصله إلى ما يريد .
والجملة الكريمة معطوفة على قوله : { قَالُواْ اقتلوا أَبْنَآءَ الذين آمَنُواْ مَعَهُ } وجملة { وَمَا كَيْدُ الكافرين إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ } اعتراضية ، جئ بها مسارعة لبيان خسرانهم وضلالهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.