تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَنۡ أَنَابَ} (27)

{ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب27 الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب28 الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب29 } .

المفردات :

من أناب : من رجع إلى الحق .

وقال ابن عباس : فرح لهم وقرة عين . وقال قتادة : حسنى لهم ، إلى غير ذلك من المعاني التي ترجع إلى ما ذكره الزجاج ، وقيل : هي : اسم للجنة ، أو لشجرة فيها .

وحسن مآب : وحسن مرجع .

التفسير :

27 { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه . . . } .

لازال الحديث متصلا في شأن أهل مكة ، والمراد بهم : عبد الله بن أمية وأصحابه ، حين طالبوا النبي صلى الله عليه وسلم بالآيات الكونية ؛ فقد اقترح مشركو مكة على النبي صلى الله عليه وسلم ، أن يأتي بآيات ومعجزات حسية كناقة صالح ، وعصا موسى ونحو ذلك ؛ من الآيات الحسية الملموسة .

قال تعالى : { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا* أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا* أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا* أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا* وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا } ( الإسراء : 90 94 ) .

والمعنى : يقول الذين كفروا من أهل مكة : هلا أنزل على محمد معجزة ملموسة ، مثل تحويل الصحراء إلى بساتين كأرض الشام ، أو إحياء جدهم قصىّ ، أو سقوط السماء عليهم كسفا ، أو تحويل الصفا ذهبا ، أو تفجير ينابيع المياه في مكة وما حولها ، أو أن يمتلك محمد بيتا من ذهب ، أو يصعد إلى السماء ويعود ومعه كتاب من الله يفيد : أن محمدا رسول حقا ، أو يأتي بالله والملائكة جميعا أمامهم ؛ ليشاهدوهم ، وغير ذلك من الآيات التي تفيد : تعنت المشركين ؛ لأنهم لم يستخدموا عقولهم ، ولم يفتحوا قلوبهم ؛ ليتدبروا أن هذا الذي أرسل إليهم بشر مثلهم ، يوحى إليه بوحي فمن اهتدى به ؛ آمن ، ومن أعرض عنه ؛ جحد وكفر ، ولن يفيد الكافرون كثرة الآيات ، ولا حجم المعجزات ، مادامت قلوبهم تصر على الجحود والإعراض ، قال تعالى : { وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون }( يونس : 101 ) .

وقال سبحانه : { ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون }( الأنعام : 111 ) .

{ قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب } .

إن هداية السماء تحتاج إلى إقبال وتفتح ، ورغبة في المعرفة والفهم ، وتبصر في حقيقة الإيمان ، فمن أعرض عن الهدى ، واختار الضلال والكفر ؛ سلب الله عنه أسباب الهداية ، وتركه في حيرة وضلال ، ومن اختار أسباب الهداية ؛ يسر الله له الهدى ؛ لأنه رجع عن العناد ، وأناب إلى الله وتبصر في وحيه ودعوته ، أي : قل لهم يا محمد : إن الله يضل الكافرين ؛ لإعراضهم ، ويهدي إلى دينه ، { من أناب } ، أي : رجع إليه وسلك سبيله ،

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَنۡ أَنَابَ} (27)

{ وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ } أي أهل مكة عبد الله بن أبي أمية . وأصحابه ، وإيثار هذه الطريقة على الإضمار مع ظهور إرادتهم عقيب ذكر فرحهم بناءاً على أن ضمير { فَرِحُواْ } [ الرعد : 26 ] لهم لذمهم والتسجيل عليهم بالكفر فيما حكى عنهم من قولهم : { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } فإن ذلك في أقصى مراتب المكابرة والعناد كأن ما أنزل عليه عليه الصلاة والسلام من الآيات العظام الباهرة ليست عندهم بآية حتى اقترحوا ما لا تقتضيه الحكمة من الآيات كسقوط السماء عليهم كسفاً وسير الأخشبين وجعل البطاح محالرث ومفترساً كالأردن وإحياء قضى لهم إلى غير ذلك { قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاء } إضلاله مشيئة تابعة للحكمة الداعية إليها ، وهو كلام جار مجرى التعجب من قولهم ، وذلك أن الآيات الباهرة المتكاثرة التي أويتها صلى الله عليه وسلم لم يؤتها نبي قبله ، وكفى بالقرآن وحده آية فإذا جحدوها ولم يعتدوا بها كان ذلك موضعاً للتعجب والإنكار ، وكان الظاهر أن يقال في الجواب : ما أعظم عنادكم وما أشد تصميمكم على الكفر ونحوه إلا أنه وضع هذا موضعه للإشارة إلى أن المتعجب منه يقول : { إِنَّ الله يُضِلُّ } الخ أي أنه تعالى يخلق فيمن يشاء الضلال بصرف اختياره إلى تحصيله ويدعه منهمكاً فيه لعلمه بأنه لا ينجع فيه اللطف ولا ينفعه الإرشاد لسوء استعداده كمن كان على صفتكم في المكابرة والعناد وشدة الشكيمة والغلو في الفساد فلا سبيل له إلى الاهتداء ولو جاءته كل آية . { وَيَهْدِى إِلَيْهِ } أي إلى جانبه العلي الكبير .

وقال أبو حيان : أي إلى دينه وشرعه سبحانه هداية مواصلة إليه لا دلالة مطلقة إلى ما يوصل فإن ذلك غير مختص بالمهتدين وفيه من تشريفهم ما لا يوصف ، وقيل : الضمير للقرآن أو للرسول عليه الصلاة والسلام وهو خلاف الظاهر جداً { مَنْ أَنَابَ } أي أقبل إلى الحق وتأمل في تضاعيف ما نزل من دلائله الواضحة وحقيقة الإنابة الرجوع إلى نوبة الخير ، وإيثارها في الصلة على إيراد المشيئة كما في الصلة الأولى على ما قال مولانا شيخ الإسلام للتنبيه على الداعي إلى الهداية بل إلى مشيئتها والإشعار بما دعا إلى المشيئة الأولى من المكابرة ، وفيه حث للكفرة على الإقلاع عما هم عليه من العتو والعناد ، وإيثار صيغة الماضي للإيماء إلى استدعاء الهداية السابقة كما أن إيثار صيغة المضارع في الصلة الأولى للدلالة على استمرار المشيئة حسب استمرار مكابرتهم ، والآية صريحة في مذهب أهل السنة في نسبة الخير والشر إليه عز وجل وأولها المعتزلة فقال أبو علي الجبائي : المعنى يضل من يشاء عن ثوابه ورحمته عقوبة له على كفرة فلستم ممن يجيبه الله تعالى إلى ما يسأل لاستحقاقكم العذاب والإضلال عن الثواب ويهدي إلى جنته من تاب وآمن ، ثم قال : وبهذا تبين أن الهدى هو الثواب من حيث علق بقوله تعالى : { مَنْ أَنَابَ } والهدى الذي يفعله سبحانه بالمؤمن هو الثواب لأنه يستحقه على إيمانه ، وذلك يدل على أنه تعالى يضل عن الثواب بالعقاب لا عن الدين بالكفر على ما ذهب إليه من خالفنا اه ولا يخفى ما فيه .