مقضيا : محتوما قد تعلق به قضاؤنا الأزلي .
21- { قال كذلك قال ربك هو عليّ هين } .
إن الولد لا يأتي إلا من نكاح أو من سفاح في عادات الناس ، أما إذا كان الأمر أمر الله ، فإنه نافذ لا محالة ، وليس على الله هين وصعب ، لكن أراد أن يقرب الأمر إلى فهم مريم ، والمراد : أن الله على كل شيء قدير ، ولا يمتنع عليه فعل ما يريده ، ولا يحتاج في إنشائه إلى المواد والآلات .
{ ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا } .
ولنجعله معجزة ظاهرة أمام الناس ، ورحمة من الله لعباده ؛ حين بعثه نبيا وهاديا ورسولا ، وكان ذلك قضاء قد قضي في سابق علم الله ، ومضى به فلا يغير ولا يبدل .
لقد خلق الله آدم من تراب ونفخ فيه من روحه ، ثم خلق حواء من أب دون أم ، ثم خلق عيسى من أم دون أب ؛ ليظهر للناس أن الآباء والأمهات هم أسباب مادية ملموسة ، والمسبب الحقيقي هو الله قال تعالى : { يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور . أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير } . ( الشورى : 50 ، 49 ) .
وقال سبحانه وتعالى : { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } . ( آل عمران : 59 ) .
{ قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } اطلقوا الكلام في أنه نظير ما تقدم في قصة زكريا عليه السلام . وفي «الكشف » أنه لا يجري فيه تمام الأوجه التي ذكرها الزمخشري هناك لأن { قَالَ } أولاً فيه ضمير الرسول إليها فكذلك إن علق بالثاني يكون المعنى قال الرسول قال ربك كذلك ثم فسره بقوله : { هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } أو المعنى مثل ذلك القول العجيب الذي سمعته ووعدتك قال ربك على إقحام الكاف ثم استأنف هو على هين ولا بد من إضمار القول لأن المخاطب لها جبريل عليه السلام وقوله : { هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } كلام الحق تعالى شأنه حكاه لها . وإن علق بالأول يكون المعنى الأمر كذلك تصديقاً لها أو كما وعدت تحقيقاً له ثم استأنف قال ربك هو على هين لإزالة الاستبعاد أو لتقرير التحقيق ولا يبعد أن يجعل { قَالَ رَبُّكِ } على هذا تفسيراً وكذلك مبهماً انتهى . ولا أرى ما نقل عن ابن المنير هناك وجهاً هنا { وَلِنَجْعَلَهُ } تعليل لمعلل محذوف أي لنجعل وهب الغلام { ءايَةً } وبرهاناً { لِلنَّاسِ } جميعهم أو المؤمنين على ما روى عن ابن عباس يستدلون به على كمال قدرتنا { وَرَحْمَةً } عظيمة كائنة { مِنَّا } عليهم يهتدون بهدايته ويسترشدون بإرشاده فعلنا ذلك .
وجوز أن يكون معطوفاً على علة أخرى مضمرة أي لنبين به عظم قدرتنا ولنجعله آية الخ . قال في «الكشف » : إن مثل هذا يطرد فيه الوجهان ويرجح كل واحد بحسب المقام وحذف المعلل هنا أرجح إذ لو فرض علة أخرى لم يكن بد من معلل محذوف أيضاً فليس قبل ما يصلح فهو تطويل للمسافة . وهذه الجملة أعني العلة مع معللها معطوفة على قوله { هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } وفي إيثار الأولى اسمية دالة على لزوم الهون مزيلة للاستبعاد والثانية فعلية دالة على أنه تعالى أنشأه لكونه آية ورحمة خاصة لا لأمر آخر ينافيه مراداً بها التجدد لتجدد الوجود لينتقل من الاستبعاد إلى الاستحماد ما لا يخفى من الفخامة انتهى .
ولا يرد أنه إذا قدر علة نحو لنبين جاز أن يكون ذلك متعلقاً بما يدل عليه { هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } من غير حذف شيء فلا يصح قوله لم يكن بد من معلل محذوف لظهور ما فيه . وما ذكره من العطف خالف فيه بعضهم فجعل الواو على الأول اعتراضية . ومن الناس من قال : إن { لنجعله } على قراءة { ليهب } [ مريم : 19 ] عطف عليه على طريقة الالتفات من الغيبة إلى التكلم . وجوز أيضاً العطف على { لأهَبَ } [ مريم : 19 ] على قراءة أكثر السبعة . ولا يخفى بعد هذا العطف على القراءتين { وَكَانَ } ذلك { أَمْراً مَّقْضِيّاً } محكماً قد تعلق به قضاؤنا الأزلي أو قدر وسطر في اللوح لا بد لك منه أو كان أمراً حقيقاً بمقتضى الحكمة والتفضل أن يفعل لتضمنه حكماً بالغة . وهذه الجملة تذييل إما لمجموع الكلام أو للأخير .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.