تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ} (55)

54

55-{ أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون } .

صرح هنا بعملهم منكرا عليهم ، حيث قال لهم : والله إنكم لتجامعون الرجال في أدبارهم ، وتقودكم الشهوة إلى هذه الفعلة الشنعاء ، وتذرون النساء التي خلقت لهذه الشهوة حيث فيهن الجمال والمتعة واستكمال الاستمتاع بين الذكر والأنثى ، حيث خلق الله الرجل مجهزا لاستقبال الأنثى ، وألهم كل طرف كيف يأتي الطرف الآخر ، حتى الحيوان الأعجم لا يفعل مثل أفعالكم ، كما قال سبحانه وتعالى في موضع آخر { أتأتون الذكران من العالمين*وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون } [ الشعراء : 165 ، 166 ] .

فهم قوم خارجون على الفطرة ، وقد وضح لهم لوط سوء عملهم في ثلاثة أمور هي :

1-إتيان الرجال في مكان الغائط .

2-ترك النساء ، ولهن حق الاستمتاع والإمتاع من زوج كريم مستقيم .

3-أن هذا عمل الجهلاء الذين لا عقول لهم : ولا يدركون قبح ما يفعلون ، فقال :

{ بل أنتم قوم تجهلون }

تفعلون فعل السفهاء الممعنين في الفحش ، وعدم تقدير العاقبة ، وما يترتب على ذلك من أمراض حسية وسلوكية ، فعملكم هذا عمل الجهلاء الذين لا يميّزون ولا يعقلون الفرق بين الحسن والقبيح ، وإزاء كل ذلك أجابوه بما لا يصلح أن يكون جوابا مقبولا ولا معقولا في ميزان العقلاء ، وهو ما سيأتي في مطلع الجزء التالي إن شاء الله ، والحمد لله رب العالمين .

تفسير القرآن الكريم

الجزء العشرون من القرآن الكريم

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ} (55)

وقوله تعالى : { أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال شَهْوَةً } تثنية للإنكار وبيان لما أتونه من الفاحشة بطريق التصريح بعد الإبهام ، وتحلية الجملة بحرفي التأكيد للإيذان بأن مضمونها مما لا يصدق وقوعه أحد لكمال شناعته ، وإيراد المفعول بعنوان الرجولية دون الذكورية لتربيته التقبيح وبيان اختصاصه ببني آدم ، وتعليل الاتيان بالشهوة تقبيح على تقبيح لما أنها ليست في محله ، وفيه إشارة إلى أنهم مخطئون في محلها فعلاً ، وفي قوله تعالى : { مّن دُونِ النساء } أي متجاوزين النساء اللاتي هن محال الشهوة إشارة إلى أنهم مخطئون فيه تركاً ، ويعلم مما ذكرنا أن { شَهْوَةً } مفعول له للإتيان ، وجوز أن يكون حالاً .

{ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } أي تفعلون فعل الجاهلين بقبح ذلك أو يجهلون العاقبة أو الجهل بمعنى السفاهة والمجون أي بل أنتم قوم سفهاء ماجنون كذا في الكشاف ، وأيا ما كان فلا ينافي قوله تعالى : { وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ } [ النمل : 54 ] ولم يرتض ذلك الطيبي وزعم أن كلمة الاضراب تأباه : ووجه الآية بأنه تعالى لما أنكر عليهم فعلهم على الإجمال وسماه فاحشة وقيده بالحال المقررة لجهة الاشكال تتميماً للإنكار بقوله تعالى : { وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ } أراد مزيد ذلك التوبيخ والإنكار فكشف عن حقيقة تلك الفاحشة وأشار سبحانه إلى ما أشار ثم اضرب عن الكل بقوله سبحانه : { بَلْ أَنتُمْ } الخ أي كيف يقال لمن يرتكب هذه الفحشاء وأنتم تعلمون فأولى حرف الاضراب ضمير { أَنتُمْ } وجعلهم قوماً جاهلين والتفت في { تَجْهَلُونَ } موبخاً معيراً اه وفيه نظر . والقول بالالتفات هنا مما قاله غيره أيضاً وهو التفات من الغيبة التي في { قَوْمٌ } إلى الخطاب في { تَجْهَلُونَ } وتعقبه الفاضل السالكوتي بأنه وهم إذ ليس المراد بقوم قوم لوط حتى يكون المعبر عنه في الأسلوبين واحداً كما هو شرط الالتفات بل معنى كلي حمل على قوم لوط عليه السلام .

وقال بعض الأجلة : إن الخطاب فيه مع أنه صفة لقوم وهو اسم ظاهر من قبيل الغائب لمراعاة المعنى لأنه متحد مع { أَنتُمْ } لحمله عليه ، وجعله غير واحد مما غلب فيه الخطاب ، وأورد عليه أن في التغليب تجوزاً ولا تجوز هنا . وأجيب بأن نحو { تَجْهَلُونَ } موضوع للخطاب مع جماعة لم يذكروا بلفظ غيبة وهنا ليس كذلك فكيف لا يكون فيه تجوز ، وقيل قولهم إن في التغليب تجوزاً خارج مخرج الغالب ، وقال الفاضل السالكوتي إن قوله تعالى : { بَلْ أَنتُمْ } الخ من المجاز باعتبار ما كان فإن المخاطب في { تَجْهَلُونَ } باعتبار كون القوم مخاطبين في التعبير بأنتم فلا يرد أن اللفظ لم يستعمل فيه في غير ما وضع له ولا الهيئة التركيبية ولم يسند الفعل إلى غير ما هو له فيكون هناك مجاز فافهم .