نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ} (55)

ثم أتبع هذا الأنكار إنكاراً آخر لمضمون جملة مؤكدة أتم التأكيد ، إشارة إلى أن فعلتهم هذه مما يعي الواصف ، ولا يبلغ كنه قبحها ولا يصدق ذو عقل أن أحداً يفعلها ، فقال معيناً لما أبهم : { أئنكم لتأتون } وقال : { الرجال } تنبيهاً على بعدهم عما يأتونه إليهم ، ثم علله بقوله : { شهوة } إنزالاً لهم إلى رتبة البهائم التي ليس فيها قصد ولد ولا عفاف ؛ وقال : { من دون } أي إتياناً مبتدئاً من غير ، أو أدنى رتبة من رتبة { النساء } إشارة إلى أنهم أساؤوا من الطرفين في الفعل والترك .

ولما كان قوله : { شهوة } ربما أوهم أنهم لا غنى بهم عن إتيانهم للشهوة الغالبة لكن النساء لا تكفيهم ، لذلك نفى هذا بقوله : { بل } أي إنكم لا تأتونهم لشهوة محوجة بل { أنتم قوم } ولما كان مقصود السورة إظهار العلم والحكمة ، وكانوا قد خالفوا ذلك إما بالفعل وإما لكونهم يفعلون من الإسراف وغيره عمل الجهلة ، قال : { تجهلون* } أي تفعلون ذلك إظهاراً للتزين بالشهوات فعل المبالغين في الجهل الذين ليس لهم نوع علم في التجاهر بالقبائح خبثاً وتغليباً لأخلاق البهائم ، مع ما رزقكم الله من العقول التي أهملتموها حتى غلبت عليها الشهوة ،