كما أنزلنا على المقتسمين : أي : مثل العذاب الذي أنزلناه على المقتسمين ، وهم رجال اقتسموا مداخل مكة أيام الحج ؛ لينفّروا الناس من الإسلام ، وقال الطبري : المقتسمين : اليهود والنصارى ، وكان اقتسامهم : أنهم اقتسموا الكتاب فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه .
{ كما أنزلنا على المقتسمين } .
تحتمل هذه الآية المعاني الآتية :
1{ ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم } ، كما آتينا من قبلك من اليهود والنصارى : التوراة والإنجيل ، وهم الذين اقتسموا القرآن وجزّءوه أجزاء ، فآمنوا ببعضه الذي وافق كتابيهما ، وكفروا ببعضه وهو ما خالفهما ، أخرج ذلك البخاري وغيره .
أن يتعلق : { كما أنزلنا على المقتسمين } . بقوله تعالى : { وقل إني أنا النذير المبين } . أي : وأنذر قريشا بالعذاب مثل ما أنزلنا على المقتسمين - يعني : اليهود وهو ما جرى على قريظة والنضير ، فجعل المتوقع بمنزلة الواقع ، وهو من الإعجاز ؛ لأنه إخبار بما سيكون ، وقد كانxxxiv .
أي : أنذر الكافرين بالعذاب ؛ { كما أنزلنا على المقتسمين } . أي : مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين ، وهم أصحاب صالح عليه السلام ، الذين تقاسموا بالله : لنبيتنه وأهله ، أي : نقتلنهم ليلا ، فأخذتهم الصيحة ، فالاقتسام من القسم لا من القسمةxxxv .
أنذر قريشا بعذاب مثل ما أنزلنا على المقتسمين ، وهم : الاثنا عشر ، اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم ، فتعدوا في كل مدخل متفرقين ؛ لينفّروا الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ يقول بعضهم : لا تغتروا بالخارج منا ؛ فإنه ساحر ، ويقول الآخر : كذاب ، والآخر : شاعر ، فأهلكهم الله يوم بدر وقبله بآفات ، كالوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والأسود بن المطلب وغيرهمxxxvi .
ثم هدد - سبحانه - الذين يحاربون دعوة الحق ، ويصفون القرآن بأوصاف لا تليق به فقال - تعالى - : { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين الذين جَعَلُواْ القرآن عِضِينَ
والكاف في قوله { كما } للتشبيه ، و { ما } موصوله أو مصدرية وهى المشبه به أما المشبه فهو الإيتاء المأخوذ من قوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ المثاني
ولفظ { المقتسمين } افتعال من القسم بمعنى تجزئة الشئ وجعله أقسامًا . .
والمراد بهم بعض طوائف أهل الكتاب ، الذين آمنوا ببعضه وكفروا بالبعض الآخر .
أو المراد بهم - كما قال ابن كثير : " { المقتسمين } أى المتحالفين ، أى الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم . . . " .
ولفظ { عضين } جمع عضة - بزنة عزة - ، وهى الجزء والقطعة من الشئ . تقول : عضيت الشئ تعضية ، أى : فرقته وجعلته أجزاء كل فرقة عضة .
قال القرطبى ما ملخصه : وواحد العضين عضة ، من عضيت الشئ تعضية أى فرقته ، وكل فرقة عضة . قال الشاعر : وليس دين الله بالمعضى . أى : بالمفرق
والعضة والعضين في لغة قريش السحر . وهم يقولون للساحر عاضه ، وللساحرة عاضهة . . .
وفى الحديث : " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة أى الساحرة والمستسحرة " . وقيل : هو من العضة ، وهى التميمة . والعضيهة : البهتان . . . يقال : أعضهت يا فلان أى : جئت بالبهتان .
والمعنى : ولقد آتيناك - أيها الرسول الكريم - السبع المثانى والقرآن العظيم ، مثل ما أنزلنا على طوائف أهل الكتاب المقتسمين ، أى الذين قسموا كتابهم أقسامًا ، فأظهروا قسمًا وأخفوا آخر ، والذين جعلوا - أيضًا - القرآن أقسامًا ، فآمنوا ببعضه ، وكفروا بالبعض الآخر .
. فجعله { الذين جَعَلُواْ القرآن عِضِينَ } بيان وتوضيح للمقتسمين .
ومنهم من يرى أن قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين . . . } متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك ، { وَقُلْ إني أَنَا النذير المبين } ، فيكون المشبه الإِنذار بالعقاب المفهوم من الآية الكريمة . وأن المراد بالمقتسمين : جماعة من مشركى قريش ، قسموا أنفسهم أقسامًا لصرف الناس عن الإِيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم .
والمعنى : وقل - أيها الرسول الكريم - إنى أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل عذاب المقتسمين . . .
وقد فصل الإِمام الآلوسى القول عند تفسيره لهاتين الآيتين فقال ما ملخصه : قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين . . . } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً . . . } على أن يكون في موضع نصب نعتا لمصدر من آتينا محذوف أى : آتيناك سبعا من المثانى إيتاء كما أنزلنا ، وهو في معنى : أنزلنا عليك ذلك إنزالاً كإنزالنا على أهل الكتاب { الذين جَعَلُواْ القرآن عِضِينَ } أى قسموه إلى حق وباطل . .
وقيل : هو متعلق بقوله - تعالى - : { وَقُلْ إني أَنَا النذير المبين } . . وجوز أن يراد بالمقتسمين جماعة من قريش . . . أرسلهم الوليد بن المغيرة ، أيام موسم الحج ، ليقفوا على مداخل طرق مكة ، لينفروا الناس عن الإِيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فانقسموا على هاتيك المداخل ، يقول بعضهم لا تغتروا بالخارج فإنه ساحر . .
أى : وقل إنى أنا النذير عذابا مثل العذاب الذي أنزلناه على المقتسمين .
وقيل المراد بالمقتسمين ، الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحًا - أى يقتلوه ليلاً - فأهلكهم الله . . .
ثم قال - رحمه الله - : والأقرب من الأقوال المذكورة أن قوله { كما أنزلنا . . } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً . . . } وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين ، وأن الموصول مع صلته ، صفة مبينة لكيفية اقتسامهم . . .
والمعنى : لقد آتيناك سبعًا من المثانى والقرآن العظيم ، إيتاء مماثلاً لإِنزال الكتابين على أهلهما . . . .
ويبدو لنا أن من الأفضل أن يكون المراد بالمقتسمين ، ما يشمل أهل الكتابين وغيرهم من المشركين المتحالفين على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم - كما قال ابن كثير - وقد ذهب إلى ذلك الإِمام ابن جرير ، فقد قال - رحمه الله - بعد سرده للأقوال في ذلك ما ملخصه : " والصواب من القول في ذلك عندى أن يقال : إن الله - تعالى - أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلم قومه الذين عضوا القرآن ففرقوه ، أنه نذير لهم من سخط الله وعقوبته ، أن يحل بهم ما حل بالمقتسمين من قبلهم ومنهم " . . .
وجائز أن يكون عنى بالمقتسمين : أهل الكتابين .
. وجائز أن يكون عنى بذلك : المشركين من قريش ، لأنهم اقتسموا القرآن ، فسماه بعضهم شعرا ، وسماه بعضهم كهانة . . .
وجائز أن يكون عنى به الفريقين . . . وممكن أن يكون عنى به المقتسمين على صالح من قومه . لأنه ليس في التنزيل ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في فطرة العقل ، ما يدل على أنه عنى به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين ، وإذا فكل من اقتسم كتابًا لله بتكذيب بعض وتصديق بعض ، كان داخلاً في هذا التهديد والوعيد . . . .
وبذلك فإن الكاف في قوله : ( كما ) تتعلق بقوله : ( أنا النذير المبين ) أي أنذركم من العذاب كما أنزلنا على المقتسمين من العذاب . وقيل : الكاف تتعلق بقوله : " آتيناك سبعا من المثاني كما أنزلنا على المقتسمين " {[2483]} اختلفوا في المراد بالمقتسمين . وفي ذلك عدة أقوال .
منها : أنهم الذين اقتسموا طرق مكة ليصدوا الناس عن الإيمان برسول الله ( ص ) . ويقرب عددهم من أربعين . وقيل : كانوا ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم فاقتسموا عقبات مكة وطرقها يقولون لمن يسلكها : لا تغتروا بالخارج منها والمدعي للنبوة فإنه مجنون . وكانوا ينفرون الناس عنه بأنه ساحر أو كاهن أو شاعر ، فأنزل الله تعالى بهم الخزي والمهانة فماتوا شر ميتة . والمعنى : أنني أنذرتكم مثل ما نزل بالمقتسمين . وذلك قول ابن عباس .
ومنها : أن المقتسمين هم اليهود والنصارى . وسموا مقتسمين ؛ لأنهم جعلوا القرآن عضين ، آمنوا بما وافق التوراة وكفروا بالباقي . وقيل : لأنهم اقتسموا القرآن استهزاء به . فقال بعضهم : سورة كذا لي : وقال بعضهم : سورة كذا لي . وقال بعضهم : القرآن سحر . وقال آخرون : إنه شعر . وقال آخرون : أساطير الأولين . وتلك رواية عن ابن عباس .
ومنها : أنهم قوم صالح قد تقاسموا لنبيتنه وأهله ؛ فرمتهم الملائكة بالحجارة حتى قتلوهم . فعلى هذا ، الاقتسام من القسم وهو الخلف وليس من القسمة .