تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا} (68)

66

المفردات :

يخسف : يقلب فيجعل عالي الأرض سافلها .

حاصبا : ريحا حاصبة أي : ترمي بالحصباء وهي الحصا .

أن يعيدكم فيه تارة أخرى : أي : يقوى دواعيكم لركوب البحر مرة أخرى .

قاصفا : يقصف بمعنى : يكسر كل ما مر به .

التبيع : الناصر والمعين ، ( حملته على فرس ) : أي : أعطيته إياها ؛ ليركبها .

التفسير :

69 ، 68- { أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجد لكم وكيلا . أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا } .

إن البشر في قبضة الله في كل لحظة وفي كل بقعة . إنهم في قبضته في البر كما هم في قبضته في البحر ، فكيف يؤمنون ؟ كيف يؤمنون أن يخسف بهم جانب البر بزلزال أو بركان ، أو بغيرهما من الأسباب المسخرة لقدرة الله ؟ ! أو يرسل عليهم عاصفة بركانية تقذفهم بالحمم والماء والطين والأحجار ، فتحكهم دون أن يجدوا لهم من دون الله وكيلا يحميهم ويدفع عنهم ؟ !

أم كيف يؤمنون أن يردهم الله إلى البحر فيرسل عليهم ريحا قاصفة ، تقصف الصوار وتحطم السفن ، فيغرقهم بسبب كفرهم وإعراضهم ؛ فلا يجدون من يطالب بعدهم بتبعة إغراقهم .

ألا إنها الغفلة أن يعرض الناس عن ربهم ويكفروا . ثم يؤمنوا أخذه وكيده . وهم يتوجهون إليه وحده في الشدة ثم ينسونه بعد النجاة . كأنها آخر شدة يمكن أن يأخذهم بها الله ! {[434]} .

وقد كرم الله الإنسان على كثير من خلقه ؛ كرمه بخلقته على تلك الهيئة ، بهذه الفطرة التي تجمع بين الطين والنفخة ، فتجمع بين الأرض والسماء في ذلك الكيان .

وكرمه بالاستعدادات التي أوعدها فطرته ، والتي استأهل بها الخلافة في الأرض ، يغير فيها يبدل ، وينتج فيها وينشئ ، ويركب فيها ويحلل ، ويبلغ فيها الكمال المقدر للحياة .

وكرمه بتسخير القوى الكونية له في الأرض ، وإمداده بعون القوى الكونية في الكواكب والأفلاك .

وكرم بذلك الاستقبال الفخم الذي استقبله به الوجود ، وبذلك الموكب الذي تسجد فيه الملائكة ، ويعلن فيه الخالق جل شأنه تكريم هذا الإنسان !

وكرمه بإعلان هذا التكريم كله في كتابه المنزل من الملإ الأعلى الباقي في الأرض ، وهو القرآن .


[434]:- في ظلال القرآن بقلم: سيد قطب 15/53.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا} (68)

ولما كان التقدير : أعرضتم بعد إذ أنجاكم فكفرتم بذلك وكان الكفر وصفاً لكم لازماً ، فتسبب عن ذلك أنكم أمنتم ، أي فعلتم بذلك فعل الآمن ، أنكر عليهم هذا الأمر لكونه من أجهل الجهل فقال تعالى : { أفأمنتم } أي أنجوتم من البحر فأمنتم بعد خروجكم منه { أن نخسف } أي بما لنا من العظمة { بكم } ودل على شدة إسراعهم بالكفر عند وصولهم إلى أول الساحل بقوله تعالى : { جانب البر } أي فنغيبكم فيه في أيّ جانب كان منه ، لأن قدرتنا على التغييب في التراب في جميع الجوانب كقدرتنا على التغييب في الماء سواء ، فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله في جميع الجوانب { أو } أمنتم إن غلظت أكبادكم عن تأمل مثل هذا أن { يرسل عليكم } من جهة الفوق شيئاً من أمرنا { حاصباً } أي يرمي بالحصباء ، أي بالحصى الصغار - قاله الرازي في اللوامع ، وقال الرماني : حجارة يحصب بها ، أي يرمي بها ، حصبه - إذا رماه رمياً متتابعاً - انتهى .

يرميكم ذلك الحاصب في وجوهكم أو فوق رؤوسكم رمياً يهلك مثله كما وقع لقوم لوط أنا أرسلنا عليهم حاصباً ، وقيل : الحاصب : الريح ، ولم يقل : حاصبة لأنه وصف لزمها ، ولم يكن لها ، مذكر تنتقل إليه في حال فكان بمنزلة حائض { ثم لا تجدوا } أيها الناس { لكم } وأطلق ليعم فقال تعالى : { وكيلاً * } ينجيكم من ذلك ولا من غيره كما لم تجدوا في البحر وكيلاً غيره

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا} (68)

قوله تعالى : { أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا ( 68 ) أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا ( 69 ) } الهمزة في ( أفأمنتم ) للاستفهام الإنكاري ، والفاء للعطف على محذوف تقديره : أنجوتم فأمنتم ثم أعرضتم . وذلك بلاغ إنكاري من الله لأولئك الذين يخشون ربهم في البحر كلما دهمهم خوف من الغرق فيلجون بالدعاء إلى الله لينجيهم . حتى إذا نجاهم إلى البر وبلغوا السلامة والأمان نسوا خوفهم ودعاءهم وزهدوا في التذلل والتضرع إلى الله ، فيبين الله لهؤلاء مستنكرا وهو قوله : أفتحسبون بعد خروجكم إلى البر حيث السلامة والنجاة أنكم آمنون من عذاب الله ( أن يخسف بكم جانب البر ) الخسف والخسوف هو دخول الشيء في الشيء . خسف المكان خسفا أو خسوفا ؛ أي غار في الأرض . خسفت عين الماء ؛ غارت{[2713]} . ويخسف بكم جانب البر ؛ أي يغيبكم في جانب البر وهو الأرض ؛ فالله قادر على تغييبكم في البحر . وهو كذلك قادر على تغييبكم في البر . فالغرق تغييب تحت الماء ، وكذا الخسف تغييب تحت التراب .

والمراد أنكم إن أمنتم من هول البحر فما ينبغي أن تأمنوا من هول البر ؛ فالله لا يعز عليه أن يسلط عليكم البلاء والتدمير حيثما كنتم فلا مناص لكم من قدر الله ولا ملجأ .

قوله : ( أو يرسل عليكم حاصبا ) الحاصب هي الريح التي ترمي الحصباء ، وهي صغار الحصى . فإذا لم يخسف الله بكم الأرض يرسل عليكم ريحا شديدة ترميكم بالحصباء فتبددكم وتستأصلكم كما فعل بقوم لوط ؛ إذ أمطرهم الله بحجارة أهلكتهم إهلاكا . وليس لكم حينئذ من دون الله أيما نصير أو مجير يرد عنكم بأس الله . وهو قوله عز من قائل : ( ثم لا تجدوا لكم وكيلا ) أي ناصرا وحافظا .


[2713]:- المصباح المنير جـ1 ص 182 وتفسير الرازي جـ21 ص 12.