تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} (19)

11

19 - إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ .

تشيع : تنتشر .

الفاحشة : الخصلة المفرطة في القبح ، وهي الزنا .

تطلق الفاحشة على كل أمر قبيح ، وأحيانا تطلق على الزنا خاصة .

ومقصود الآية : ذم من ينشر الأخبار الكاذبة ، ويذيع أنباء الزنا عن المحصنين والمحصنات من المؤمنين فهناك صنف من الناس لا يحلو له الحديث إلا في تجريح الشرفاء ولمز الغافلات المحصنات .

هذا الصنف مريض ، وربما كان فاسقا أو زانيا ويرى في سلوك كل شريف وشريفة تحديا له ، وإعلانا عن النزاهة والاستقامة في هذه الدنيا ، فهو يريد أن يستر كل خير ، وأن يذيع كل إثم ، وقد توعد الله هذا الصنف بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة ، وأوجب علينا أن نقفل أبواب الفتنة ، وأن نرفض كل حديث يتصل بتجريح الأعراض ، وأن نسد منافذ الشر والإثم في المجتمع ، وأن نحافظ على شبابنا وبناتنا من التيارات الغريبة ، والانحرافات الآثمة .

يقول المودودي :

والآية تنطبق كذلك على إنشاء دور للفاحشة والبغاء ، وما يرغب الناس فيها ويثير غرائزهم الدنيئة ، من القصص والروايات والأشعار والغناء والصور والألعاب والمسارح والسينما ، كما تنطبق كذلك على المجالس والنوادي والفنادق ، التي يعقد فيها الرقص والطرب ويشترك فيه الرجال والنساء ، على صورة خليعة مختلطة .

فالقرآن يصرح بأن هؤلاء جميعا من الجناة ، يجب ألا ينالوا عقابهم في الآخرة فقط بل في الدنيا كذلك ، فمن واجب كل دولة مسلمة أن تبذل جهدها في استئصال جميع هذه الوسائل والأسباب لإشاعة الفاحشة ، وتقرر أن جميع هذه الأفعال جرائم مستلزمة للعقوبة ، وتؤاخذ عليها الشرطة والمحكمة81 .

وقد روى من حديث أبي الدرداء : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( أيما رجل شد عضد امرئ من الناس في خصومة لا علم له بها ؛ فهو في سخط الله حتى ينزع عنها ، وأيما رجل حال بشفاعته دون حد من حدود الله أن يقام ؛ فقد عاند الله حقا ، وأقدم على سخطه وعليه لعنة الله تتابع إلى يوم القيامة ، وأيما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة وهو منها برئ ، يريد أن يشينه بها في الدنيا ، كان حقا على الله تعالى أن يرميه بها في النار ) ، ثم تلا مصداقه من كتاب الله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ82 .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} (19)

ولما كان من أعظم الوعظ بيان ما يستحق على الذنب من العقاب ، أدبهم تأديباً ثالثاً أشد من الأولين ، فقال واعظاً ومقبحاً لحال الخائضين في الإفك ومحذراً ومهدداً : { إن الذين يحبون } عبر بالحب إشارة إلى أنه لا يرتكب هذا مع شناعته إلا محب له ، ولا يحبه إلا بعيد عن الاستقامة { أن تشيع } أي تنتشر بالقول أو بالفعل { الفاحشة } أي الفعلة الكبيرة القبح ، ويصير لها شيعة يحامون عليها { في الذين آمنوا } ولو كانوا في أدنى درجات الإيمان فكيف بمن تسنم ذروته ، وتبوأ غايته { لهم عذاب أليم } ردعاً لهم عن إرادة إشاعة مثل ذلك لما فيه من عظيم الأذى { في الدنيا } بالحد وغيره مما ينتقم الله منهم به { والآخرة } فإن الله يعلم هل كفر الحد عنهم جميع مرتكبهم أم لا { والله } أي المستجمع لصفات الجلال والجمال { يعلم } أي له العلم التام ، فهو يعلم مقادير الأشياء ما ظهر منها وما بطن وما الحكمة في ستره أو إظهاره أو غير ذلك من جميع الأمور { وأنتم لا تعلمون* } أي ليس لكم علم من أنفسكم فاعملوا بما علمكم الله ، ولا تتجاوزوه تضلوا .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} (19)

قوله : ( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ) ( تشيع ) ، الشيوع والشيعوعة ؛ أي تذيع وتظهر . أشاع الخبر أي أذاعه{[3236]} . و ( الفاحشة ) ، من الفحش وهو القول السيء . وكل شيء جاوز الحد فهو فاحش{[3237]} . ونزلت هذه الآية في قذف السيدة عائشة إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . فوجب بذلك إجراؤها على ظاهرها في العموم ؛ فهي بذلك تطول كل من كان موصوفا بهذه الصفة من القذف والإرجاف وإشاعة الظنون والريب بين الناس . وعلى هذا ، فمعنى الآية : إن الذين يحبون أن تفشوا الفاحشة وهي الزنا أو مقالة السوء لتذيع وتنتشر بين المسلمين ( لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ) وذلك تهديد للقذفة الذين يثيرون الأراجيف ومقالات السوء والفحش بين الناس ، بأن لهم العذاب في الدنيا بالحد ، وفي الآخرة يصيرون إلى عذاب النار .

قوله : ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) الله يعلم كذب الأفاكين الذين يفترون الباطل على المؤمنين والمؤمنات ، وأنتم أيها الناس لا تعلمون ما يخفى عليكم مما هو مستور في بطن الغيب . وإنما عليكم أن تردوا علم ذلك كله إلى الله ؛ فهو علام الغيوب .

وفي النهي عن تتبع عورات المسلمين والنبش عن أخبارهم وأستارهم ، أخرج الإمام أحمد عن ثوبان عن النبي ( ص ) قال : " لا تؤذوا عباد الله ولا تعيّروهم ولا تطلبوا عوراتهم ؛ فإنه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته " {[3238]} .


[3236]:- المصباح المنير جـ1 ص 353 ومختار الصحاح ص 353.
[3237]:- المصباح المنير جـ1 ص 117.
[3238]:- تفسير ابن كثير جـ3 ص 275 وأحكام القرآن لابن العربي جـ3 ص 1344 وتفسير الجصاص جـ5 ص 160- 163.