صم : جمع أصم ، وهو ؛ من ثقل سمعه .
وبكم : جمع أبكم وهو من لا يستطيع الكلام خلقة فعله بكم يبكم بكما .
صراط : طريق جمعه صرط ، وأصله السراط بالسين .
39- والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات . . . الآية . بينت الآية السابقة أن الكون كله منظم مهيأ للمعاش ، يدل دلالة واضحة على أن يدا حكيمة ترعاه وتمسك توازنه ونظامه بيد أن بعض الأشقياء يعرض عن رؤية هذه الدلالات ببصيرته ، أو يعرض عن استماع آيات القرآن استماع تفهم أو استجابة ، هؤلاء الذين كذبوا بآيات الله القرآنية أو الكونية ولم يهتدوا بهداها ، مثلهم كمثل الصم الذين لا يسمعون ، البكم الذين لا يتكلمون ، الذين احتوتهم الظلمات فلا يبصرون ، فكيف يهتدي هؤلاء إلى سواء السبيل وهم بهذه الهيئة ؟
من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم . هذه الجملة مقررة لما سبق من حالهم ، مقيدة أنهم مقيمون على الضلال فلا يستغرب تكذيبهم .
والمعنى : من يشأ الله يضلله : لفساد طويته واختياره الضلالة على الهدى ومن يشأ . هدايته – لحسن اختياره – يجعله على طريق مستقيم في العقيدة والأخلاق ويوفقه لصالح الأعمال .
ولما كان التقدير بعد التذكير بهذه الآية التي تنوعت{[29523]} فيها الآيات وتكررت وتكثرت فيها الدلالات : فالذين آمنوا أحياء سامعون لأقوالنا ، ناطقون بمحامدنا راؤون{[29524]} لأفعالنا ، عطف عليه قوله : { والذين كذبوا } أي أوقعوا التكذيب { بآياتنا } أي على ما لها من العظمة المقتضية لإضافتها إلينا ، مرئية كانت أو{[29525]} مسموعة ، تكذيباً متكرراً على عدد الآيات بالفعل أو بالقوة ولو{[29526]} بالإعراض عنها { صم } أي أموات فهم{[29527]} لا يسمعون { وبكم } لا ينطقون { في الظلمات } أي عمي لا{[29528]} يبصرون ، فلذلك{[29529]} لا يزالون خابطين{[29530]} خبط العشواء{[29531]} ساعين غاية السعي إلى الردى{[29532]} ، لأن ذلك شأن من في الظلمة ، فكيف بمن هو في جميع الظلمات ! و{[29533]} لعله جمعها إشارة إلى أن المكذب لا ينتفع ببصر ولا ببصيرة ، وذلك أنهم لما لم ينتفعوا بحياتهم ولا بأسماعهم ولا نطقهم ولا أبصارهم ولا عقولهم كان كل ذلك منهم عدماً .
ولما بين أن الأصم الأبكم الأعمى لا تمكن{[29534]} هدايته ، بين{[29535]} أن ذلك إنما هو بالنسبة لغيره سبحانه فطماً عن طلب إجابتهم إلى ما يقترحون من الآيات وأما هو سبحانه ففعال{[29536]} لما يريد ، فقال في{[29537]} جواب من كأنه قال : إنما تمكن هدايتهم : { من يشإ الله } أي{[29538]} الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه{[29539]} إضلاله { يضلله ومن يشأ } هدايته { يجعله }{[29540]} وأشار إلى تمكينه بأداة الاستعلاء فقال{[29541]} : { على صراط مستقيم * } بأن يخلق الهداية في قلبه - ومن يهد{[29542]} الله فما له من مضل ومن يضلل الله{[29543]} فما له من هاد ، مع أن الكل عباده وخلقه ، متقلبون في نعمه ، غادون رائحون في بره وكرمه - إن في ذلك على وحدانيته وتمام قدرته لآيات بينات لقوم يعقلون .
قوله : { والذين كذبوا بئايتنا صم وبكم في الظلمت } صم وبكم خبر لاسم الموصول . وقيل : خبر لمبتدأ محذوف تقديره بعضهم . أي بعضهم صم وبعضهم بكم . أي أن الذين كذبوا بقرآن الله أو بحجبه ودلائله صم عن سماع الحق فلا يسمعون الآيات سماع المتأثر المستجيب . وهم كذلك بكم لا يقولون الحق ولا ينطقون بمقتضى الآيات من الصدق والصواب والحكمة . وهم مع ذلك كله سادرون حيارى ، إذ يتخبطون { في الظلمت } أي ظلمات الكفر . أو ظلمات الجهل والعناد والسفاهة والتقليد بالباطل .
قوله : { من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } أي من يرد الله سبحانه أن يخلق فيه الضلال عن الحق يخلقه فيه فيضل . فيسوقه للضلال حينئذ اختياره الناشئ عن استعداده . ومن يرد الله أن يخلق فيه الهدى إلى الحق يخلقه فيه فيساق إليه تبعا لاختياره الناشئ عن استعداده .
وقالت المعتزلة : في تأويل قوله : { من يشإ الله يضلله } الآية : أي يخذله ولم يلطف به . وضلاله عدم اللطف به ، لأنه ليس من أهل اللطف . أما من يرد الله أن يجعله على صراط مستقيم ، فالمراد به أن يلطف به ، لأنه من أهل اللطف ولأن اللطف يجدي به . والصواب الأول وهو قول أهل السنة . فهو الظاهر المستبين من الآية . ويعززه غير ذلك من الآيات كقوله عز وعلا : { ويضل الله الظلمين } وقوله { وما يضل به إلا الفسقين } وقوله : { يهدي به الله من اتبع رضونه } وقوله : { يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت } {[1162]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.