كان لم يغنوا فيها : كأن لم يسكنوا فيها ، أو كأن لم يقيموا فيها .
68 { كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ } .
أي : كأنهم لسرعة هلاكهم ، وعدم بقاء أحد منهم ، لم يقيموا في ديارهم ألبتة .
{ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } .
{ يغنوا فيها } . أي : يقيموا فيها ، يقال : غنى فلان بالمكان ، يغنى ؛ إذا أقام به وعاش فيه في نعمة ورغد . والمعنى : كأن هؤلاء القوم الظالمين ، لم يقيموا في ديارهم عمرا طويلا ، وهم في رخاء من عيشهم .
{ فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ } . تتكرر هنا ألا . وهي حرف تنبيه ؛ لتلفت الأنظار إلى ملخص القصة ومغزاها : أن سبب الهلاك هو الكفر بالله وبنعمة الله .
{ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ } . ألا سحقا وهلاكا لثمود الذين كفروا بربهم ، وبعدا وطردا لهم عن رحمة الله ؛ بسبب جحودهم وكفرهم .
لقد طويت صفحة قوم ظالمين ، وعقب القرآن على القصة بهذه الآية ، وهي تشبه الصدى المردود الذي شّيع به قوم هود من قبل ، قال تعالى : { ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود } . ( هود : 60 ) ؛ كأنما يسجل الجبار سبحانه وتعالى في نهاية كل قصة نطق المحكمة الإلهية التي تحكم على المجرمين ، وتضمن حكمها حيثيات الحكم في إيجاز بليغ ، يعقبه صمت رهيب ، لقد كفروا بالله ؛ فاستحقوا عقاب الله ولعنته ، والطرد من رحمته ، وذلك جزاء الظالمين .
وقد ورد في الصحيحين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على ديار ثمود وهو في طريقه إلى غزوة تبوك ؛ فاستحث راحلته ، وأسرع السير ، وحث قومه على الاعتبار بهم .
ولما كان الجثوم كناية عن الموت أوضحه بقوله : { كأن } أي كأنهم{[39642]} { لم يغنوا } أي يقيموا أغنياء لاهين بالغناء { فيها } ثم نبه - على ما استحقوا به ذلك لمن لعله يغفل فيسأل - بقوله مفتتحاً بالأداة التي لا تقال إلا عند الأمور الهائلة : { ألا إن ثموداً } قراءة الصرف دالة على الاستخفاف بهم لطيشهم في المعصية{[39643]} { كفروا ربهم } أي أوقعوا التغطية والستر على المحسن إليهم بالخلق والرزق والإرسال وهو الظاهر وبصفاته{[39644]} وأفعاله ، فلا يخفى على أحد أصلاً ، فإيصال الفعل دون قصره كما في أكثر أضرابه بيان لغلظة كفرهم{[39645]} ؛ ثم كرر ذلك تأكيداً له وإعلاماً بتأبيد{[39646]} هلاكهم بقوله : { ألا بعداً لثمود* } ترك صرفهم في قراءة غير الكسائي إيذاناً بدوام لبثهم في الطرد والبعد ؛ والصيحة : صوت عظيم من فم حي ، {[39647]}والجثوم لدوام مكان واحد أو السقوط على الوجه ، وقيل : القعود على الركب{[39648]} ؛ وقال { أصبحوا } زيادة في التخويف والتأسيف بما وقع لهم من التحسير لو أدركه أحد منهم لأن الإنسان يفرح إذا أصبح بقيامه من نومه مستريحاً قادراً{[39649]} على ما يريد من الحركات للاستمتاع بما يشتهي من التصرفات ، فأصبح هؤلاء - بعد هذه الصفة على ما قص الله - خفوتا أجمعين كنفس واحدة رجالاً ونساء صغاراً وكباراً كأنهم{[39650]} لم يكونوا أصلاً ، ولا أصدروا فصلاً {[39651]}ولا وصلاً{[39652]} كأنهم لم يكونوا{[39653]} للعيون قرة ، ولم يعدوا في الأحياء مرة كأن {[39654]}لم يغنوا أي{[39655]} يقيموا لانقطاع آثارهم إلا ما بقي من أجسادهم الدالة على الخزي ؛ والمغاني : المنازل ، وأصل الغناء الاكتفاء ؛ ومعنى " ألا " التنبيه{[39656]} ؛ قال الرماني : {[39657]}وهي ألف الاستفهام دخلت على " لا " فالألف تقتضي معنى ، و " لا " تنفي معنى ، فاقتضى الكلام بهما معنى التنبيه{[39658]} مع نفي الغفلة - انتهى .
وكان حقيقته - والله أعلم - أن " لا " دخلت على ما بعدها فنفته{[39659]} ، ثم دخلت عليها همزة الإنكار فنفتها ، ومن المعلوم أن نفي النفي إثبات فرجع المعنى كما كان على أتم وجوه التنبيه و{[39660]} التأكيد ، لأن إثبات المعنى بعد نفيه آكد من إثباته عرياً عن النفي ولا سيما إذا كان المفيد لذلك الإنكار ، وهذا المعنى{[39661]} مطرد في ألا{[39662]} العرضية وهلا التخصيصية ونحوهما ، ويمشي{[39663]} في كل صلة بأن تردها{[39664]} إلى أصل مدلولها في اللغة ثم تتصرف{[39665]} بما يقتضيه الحال - والله الهادي ! {[39666]}ولما جاز الصرف في ثمود باعتبار أنه اسم أبي القبيلة وعدمه باعتبار إطلاقه على القبيلة اختير الصرف في النصب فقط لخفته{[39667]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.