تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍۚ إِلَّا تَفۡعَلُوهُ تَكُن فِتۡنَةٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَفَسَادٞ كَبِيرٞ} (73)

المفردات :

تكن فتنة في الأرض : تحصل فتنة بظهور الشرك .

73 – { وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } .

والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ليس لكم أن تولوهم أو تتخذوهم أصدقاء مهما كانوا من القرابة والصلة ، إن لم تفعلوا هذا وتقوموا بهذا الأمر ؛ تحصل فتنة في الأرض وفساد كبير ، وذلك بضعف الإسلام وكسر شوكته وظهور الكفر ، وعلو رايته . . . يا سبحانه الله ! أنت عالم الغيب والشهادة ، وأنت الخبير فلقد ظل الإسلام كما هو حتى اتخذ المسلمون بطانتهم من غيرهم ؛ ووالوا أعداء الدين بحجة السياسة مرة ، أو لحاجة أخرى ، فأصبحوا ولا حول لهم ولا قوة ، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدينا نعم وسنظل على ذلك حتى نعود إلى الدين والقرآن ، نفعل ما يريده ونتجنب ما ينهى عنه .

وقال الدكتور محمد سيد طنطاوي : في تفسير الآية :

إلا تفعلوا أيها المسلمون ما أمرتكم به من التناصر والتواصل وتولى بعضكم بعضا ، ومن قطع العلائق بينكم وبين الكفار ؛ تحصل فتنة كبيرة في الأرض ، ومفسدة شديدة فيها ؛ لأنكم إذا لم تصيروا يدا واحدة على الشرك ؛ يضعف شأنكم ، وتذهب ريحكم ، وتسفك دماؤكم ، ويتطاول أعداؤكم عليكم ، وتصيرون عاجزين عن الدفاع عن دينكم وعرضكم ، وبذلك تعم الفتنة وينتشر الفساد .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍۚ إِلَّا تَفۡعَلُوهُ تَكُن فِتۡنَةٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَفَسَادٞ كَبِيرٞ} (73)

ولما بين شرط موالاة المسلم ، بين مولاة الكافر وما يجب من مناظرتهم{[35450]} ومباراتهم فيها ، وأنه لا شرط لها غير مطلق الكفر فإنه وإن اختلفت أنواعه وتباعدت أنحاؤه - يجمعه عداوة الله و{[35451]} ولاية الشيطان فقال : { والذين كفروا } أي أوجدوا هذا الوصف على أي حال كانوا فيه { بعضهم أولياء بعض } أي في الميراث والنصرة وغيرهما ، وهو خبر محض مشير إلى نهي المسلم عن موالاتهم ، وأما الذي مضى في حق المؤمنين فهو أمر في صورة الخبر وصيغته ، يعني أن في كل من الكفار قوة الموالاة للآخر عليكم والميل العظيم الحاث لهم{[35452]} على المسارعة في ذلك وإن اشتدت عداوة بعضهم لبعض لأنكم حزب وهم حزب ، يجمعهم داعي الشيطان بوصف الكفران كما يجمعكم داعي الرحمن بوصف الإيمان ، قال أبو حيان : كانوا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يعادي أهل الكتاب منهم قريشاً ويتربصون بهم الدوائر ، فصاروا بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يوالي بعضهم بعضاً و{[35453]} إلباً واحداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى . وما ذكره مذكور في السير مشهور عند أهل الأثر { إلا تفعلوه } أي مثله من تولي المؤمنين ومعاداة الكافرين كما يفعل الكفار بالتعاضد والتعاون بالنفس والمال كما أرصدوا مال العير الذي فاتكم حتى استعانوا به على قتالكم في أحد ، فاللائق بكم{[35454]} أن تكونوا أعظم منهم في ذلك ، لأنهم يريدون بذلك رم واهي دنياهم الفانية وأنتم تبنون آخرتكم الباقية ، وداعيكم ولي غنى وداعيهم عدو دنى فضلاً عن أن تنزلوا إلى حضيض التنازع في الغنائم { تكن فتنة } أي عظيمة { في الأرض } اي خلطة مميلة للمقاصد عن وجوهها { وفساد كبير* } أي{[35455]} ينشأ عن تلك الفتنة ، والكبير ناظر إلى العظم ، وقرىء شاذاً بالمثلثة فيكون عظمه حينئذ مخصوصاً بالأنواع ، وبيان الفساد أنه إذا قارب المؤمن الكافر والكافر المؤمن وتناصروا أو ترك المؤمنون التناصر فيما بينهم انخّل النظام فاختل كل من النقض والإبرام ، فاختلف الكلام فتباعدت القلوب ، فتزايدت الكروب ، فالواجب عليكم أن تكونوا إلباً{[35456]} واحداً ويداً واحدة في الموالاة وتقاطعوا{[35457]} الكفار بكل اعتبار ليقوم أمركم وتطيب حياتكم ، وتصلح غاية الصلاح دنياكم وآخرتكم ، والآية شاملة لكل ما يسمى تولياً{[35458]} حتى في الإرث وقتال الكفار ومدافعة المسلمين بالأمر والإنكار ، ولما ترك بعض العلماء إعانة بعض فئة حصل ما خوف الله تعالى منه من الفتنة والفساد حتى صار الأمر إلى ما ترى من علو المفسدين وضعف أهل الدين ، فالأمر بالمعروف فيهم{[35459]} في غاية الذل والغربة ، يرد عليه أدنى الناس فلا يجد{[35460]} له ناصراً ، ويجد ذلك الآخر له على الرد أعواناً كثيرة{[35461]} ، وصار أحسن الناس حالاً مع الأمراء وأعظمهم له محبة من يقنع بلومه على فعله ظناً منه أن ذلك شفقة عليه - والله المستعان .


[35450]:من ظ، وفي الأصل: تناظرهم.
[35451]:زيد من ظ.
[35452]:سقط من ظ.
[35453]:زيد من البحر المحيط 4/522.
[35454]:في ظ: به.
[35455]:سقط من ظ.
[35456]:سقط من ظ.
[35457]:في ظ: تعاطوا.
[35458]:في ظ: تواليا.
[35459]:سقط من ظ.
[35460]:من ظ، وفي الأصل: فلا تجد.
[35461]:في ظ: كثيرا.