عرفت سورة التوبة من العهد الأول للإسلام بجملة أسماء ، تدل بمجموعها على ما اشتملت عليه من المبادئ التي تجب مراعاتها في معاملة الطوائف كلها : مؤمنهم ، ومنافقهم ، وكتابيهم ، ومشركهم .
وأشهر هذه الأسماء " سورة التوبة " ، وهو يشير إلى ما تضمنته السورة من تسجيل توبة الله وتمام رضوانه على المؤمنين الصادقين الذي أخلصوا في مناصرة الدعوة ، وصدقوا في الجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى وصل بهم إلى الغاية المرجوة ، وذلك في قوله تعالى :
{ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم * وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم . ( التوبة : 177 ، 118 ) .
ولا ريب أن تسجيل هذه التوبة للمؤمنين – بعد أن كابدوا الجهد والمشقات في سبيل نصرة الحق – لمما يقوى روح الإيمان في قلوبهم ويبعد بهم عن مزالق المخالفة أو التقصير .
وقد تخلف ثلاثة من المسلمين عن الاشتراك في الجهاد ولم يساهموا في أعباء جيش العسرة ؛ فأمر النبي بمقاطعتهم ومعاقبتهم . ومكثوا فترة من الزمن في عزلة تامة . بغرض تأديبهم . وتهذيبهم ثم تاب الله عليهم وقبل توبتهم وكان ذلك درسا تعليميا للمسلمين ؛ حتى لا يتخلفوا عن الجهاد ، ولا يقصروا في القيام بأعباء الدين وتعاليمه .
ومن أسماء السورة " براءة " ، وهي تشير إلى غضب الله ورسوله على من أشرك بالله وجعل له ندا وشريكا وإعلام الناس في يوم الحج الأكبر .
{ أن الله برئ من المشركين } . ( التوبة : 3 ) .
وقد عرفت السورة بعد ذلك بأسماء أخرى فكانت تسمى : الكاشفة ، والمثيرة ، والفاضحة ، والمنكلة ، وغير ذلك مما حفلت به كتب التفسير وهي ألفاظ أطلقت عليها باعتبار ما قامت به من كشف أسرار المنافقين وإثارة أسرارهم وفضيحتهم بها وتنكيلها بهم .
ورد أن ابن عباس رضي الله عنه قال : سورة التوبة هي الفاضحة ؛ مازالت في المنافقين وتنال منهم حتى ظننا أنها لا تبقى أحدا إلا ذكرته بقولها : ومنهم ، ومنهم ، ومنهم .
وهو يشير إلى ما جاء في هذه السورة من أصناف المنافقين مثل :
{ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا } . ( التوبة : 49 ) .
{ وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ } . ( التوبة : 58 ) .
{ وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ } . ( التوبة : 101 ) .
من خصائص سورة التوبة أنه لم يذكر في أولها : بسم الله الرحمان الرحيم ؛ لأنها تبدأ بإعلان الحرب الشاملة ، ونبذ العهود كافة ، والبسملة تحمل روح السلام والطمأنينة ؛ لذلك لم تبدأ بها سورة الحرب والقتال .
وربما كان سبب عدم وجود التسمية في أولها ، الاشتباه في أنها جزء من سورة الأنفال خصوصا وأن سورة الأنفال تحكي جهاد المسلمين في معركة بدر وسورة التوبة تصف جهاد المسلمين في معركة تبوك ، فقصة الأنفال شبيهة بقصة سورة التوبة من ناحية الهدف العام ، والتحريض على الجهاد ، والتحذير من التخلف عن أمر الله ورسوله ؛ لذلك تركت سورة التوبة مع سورة الأنفال ، ووضع بينهما فاصل السورة ولم يكتب في أول التوبة : بسم الله الرحمان الرحيم ؛ احترازا من الصحابة أن يضيفوا أي شيء إلى رسم القرآن إلا بتوجيه من النبي صلى الله عليه وسلم .
وروى الترمذي بإسناده : عن ابن عباس قال : قلت لعثمان بن عفان : ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين وقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر : بسم الله الرحمان الرحيم . ووضعتموها في السبع الطوال – ما حملكم على ذلك ؟
فقال عثمان : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم – مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذات العدد فكان إذا أنزل عليه الشيء ؛ دعا بعض من كان يكتب فيقول : ضعوا هذا الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدينة وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها ، وخشيت أنها منها ، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يبين لنا أنها منها . فمن أجل ذلك قرنت بينهما ، ولم أكتب بينهما سطر : بسم الله الرحمان الرحيم ، ووضعتها في السبع الطوال .
سورة التوبة هي السورة التاسعة في ترتيب المصحف وهي من السور المدنية وقد نزلت في أواخر السنة التاسعة من الهجرة ، وهي السنة التي خرج فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين إلى تبوك بقصد غزو الروم كما خرج أبو بكر في أواخر سنة تسع على رأس المسلمين لحج بيت الله الحرام .
وقد كان للسورة بحكم هذين الحادثين العظيمين في تاريخ الدولة الإسلامية هدفان أصليان :
أحدهما : تحديد القانون الأساسي الذي تشاد عليه دولة الإسلام ، وذلك بالتصفية النهائية بين المسلمين ومشركي العرب ؛ بإلغاء معاهدتهم ، ومنعهم الحج ، وتأكيد قطع الولاية بينهم وبين المسلمين ، وبوضع الأساس في قبول بقاء أهل الكتاب في جزيرة العرب وإباحة التعامل معهم .
ثانيهما : إظهار ما كانت عليه نفوس أتباع النبي صلى الله عليه وسلم حينما استنفرهم ودعاهم على غزو الروم ، وفي هذه الدائرة تحدثت السورة عن المتثاقلين منهم والمتخلفين والمثبطين ، وكشفت الغطاء عن فتن المنافقين وما انطوت عليه قلوبهم من أحقاد ما قاموا به من أساليب النفاق .
وقد عرضت السورة من أولها للهدف الأول ، واستغرق ذلك سبعة وثلاثين آية في أول السورة ، وقد تضمنت هذه الآيات ما يأتي :
أولا : تقرير البراءة من المشركين ورفع العصمة عن أنفسهم وأموالهم .
ثانيا : منحهم هدنة مقدارها أربعة شهور .
ثالثا : إعلان الناس جميعا يوم الحج الأكبر( وهو يوم عيد الأضحى ) بهذه البراءة .
رابعا : إتمام مدة العهد لمن حافظ منهم على العهد .
خامسا : بيان ما يعاملون به بعد انتهاء أمد الهدنة أو مدة العهد .
سادسا : تأمين المستجير حتى يسمع كلام الله .
سابعا : بيان الأسباب التي أوجبت البراءة منهم وصدور الأمر بقتالهم .
ثامنا : إزالة وساوس قد يخطر في بعض النفوس أنها تبرر مسالمة المشركين أو الإبقاء على عهودهم .
لقد برئ الله من المشركين ومن فعالهم ؛ لأن الشرك والكفر ظلم عظيم وجحود بحق الله الخالق الرازق ، الذي يستحق العبادة وحده ، لكن الله أمهل المشركين مدة أربعة أشهر ؛ لتمكينهم من النظر والتدبير لاختيار ما يرون فيه مصلحتهم من الدخول في الإسلام أو الاستمرار على العداء .
ولعل الحكمة في تقدير تلك المهلة بأربعة أشهر ؛ أنها هي المدة التي كانت تكفي لتحقيق ما أبيح لهم من السياحة في الأرض والتقلب في شبه الجزيرة على وجه يمكنهم من التشاور والأخذ والرد مع كل من يريدون أخذ رأيه في تكوين الرأي الأخير ، قال تعالى :
{ بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ } . ( التوبة : 1 ، 2 ) .
ومن رحمة الإسلام أيضا إباحة تأمين المشرك ، وتقرير عصمة المستأمن وقد أوجب الله على المسلمين حماية المستأمن في نفسه وماله ما دام في دار الإسلام وجعل لأفراد المسلمين حق إعطاء ذلك الأمان( فالمسلمون عدول يسعى بذمتهم أدناهم ) .
والإسلام يبيح بهذا الأمان التبادل التجاري والصناعي والثقافي ، وسائر الشئون ما لم يتصل شيء منها بضرر الدولة . وقد كان للإسلام من مشروعية الأمان وسيلة قوية ؛ لنشر دعوته وإيصال كلمة الله إلى كثير من الأقاليم النائية من غير حرب ولا قتال . قال تعالى :
{ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ } . ( التوبة : 6 ) .
فالإسلام يمنح الجوار والأمان للمشرك الذي يبحث عن الحقيقة ، ويريد أن ينظر في الإسلام نظر تأمل ودراسة ، فيسمح له بالدخول فيما بين المسلمين والتعامل معهم ، والاختلاط بهم حتى يفهم حكم الله ودعوته ، فإن اطمأن ودخل الإيمان في قلبه ؛ التحق بالمؤمنين ، وصار في الحكم كالتائبين ، وإن لم يشرح صدره للإسلام وأراد الرجوع إلى جماعته ؛ حرم اغتياله ووجبت المحافظة عليه حتى يصل مكان أمنه واستقراره .
وبذلك بلغ الإسلام شأوا بعيدا في حماية الفكر والنظر ، وتذليل الطريق أمام الباحثين والمفكرين وحمايتهم حتى يصلوا إلى مواطن الأمان أيا كانت معتقداتهم ، وصدق الله العظيم :
{ لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي } . ( البقرة : 256 ) .
في السنة التاسعة من الهجرة وصلت للرسول صلى الله عليه وسلم أنباء تفيد : أن الروم قد جمعوا جموعهم ، واعتزموا غزو المسلمين في بلادهم ، فأمر النبي أن يتجهز المسلمون وأن يأخذوا عدتهم ويخرجوا إلى تبوك لقتال الروم في بلادهم قبل أن يفاجئوه في بلده .
أعلن النبي النفير العام ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قلما يخرج إلى غزوة إلا ورى بغيرها ؛ مكيدة في الحرب ، إلا ما كان من هذه الغزوة – غزوة تبوك – فقد صرح بها ؛ لبعد الشقة وشدة الزمان إذ كان ذلك الوقت في شدة الحر حين طابت الظلال ، وأينعت الثمار وحبب إلى الناس المقام .
عندئذ وجد المنافقون فرصة سانحة للتخذيل فقالوا : لا تنفروا في الحر ، وخوفوا الناس بعد الشقة وحذروهم شدة بأس الروم ، وكان لهذا كله أثره في تثاقل بعض الناس عن الخروج للجهاد .
كذلك أخذ المنافقون يستأذنون في التخلف عن الغزو معتذرين بالأعذار الكاذبة الواهنة كما دبر بعضهم المكائد للنبي صلى الله عليه وسلم في ثنايا الطريق .
ولم يكن بد من هذا الامتحان ؛ ليكشف الله المنافقين ، ويثبت المؤمنين الصادقين فالشدائد هي التي تكشف الحقائق وتظهر الخبايا .
وقد ظهر الإيمان الصادق من المؤمنين المخلصين ؛ فسارعوا إلى تلبية الدعوة بأموالهم وأنفسهم ، يجهزون الجيش ويعدون العدة وقد خرج أبو بكر حينئذ عن كل ما يملك ، كما قام بنصيب الأسد في التجهيز عثمان بن عفان ، بذل الآلاف وجهز المئات من البعير والخيل ، وجهز هو وغيره الفقراء الأقوياء الذين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأنفسهم ؛ ليحملهم فقال لهم :
{ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ } . ( التوبة : 92 ) .
ثم يستمر سياق سورة التوبة في الحديث عن المنافقين وما يظهر منهم من أقوال وأعمال تكشف عن نواياهم التي يحاولون سترها فلا يستطيعون ، فمنهم : من ينتقد النبي صلى الله عليه وسلم في توزيع الصدقات ويتم عدالته في التوزيع ، وهو المعصوم ذو الخلق العظيم ، ومنهم : من يقول : هو أذن يستمع لكل قائل ، ويصدق كل ما يقال ، ومنهم : من يتخفى بالقولة الفاجرة الكافرة ، حتى إذا انكشف أمره استعان بالكذب والحلف ؛ ليبرئ نفسه من تبعة ما قال ، ومنهم : من يخشى أن ينزل الله على رسوله سورة تفضح نفاقهم وتكشفهم للمسلمين .
ثم تقارن السورة بين المنافقين والمؤمنين ؛ لتبين الفرق الواضح بين صفات المنافقين ، وصفات المؤمنين الصادقين ، الذين يخلصون العقيدة ولا ينافقون ، فقد خرج المؤمنون للجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطعوا مسافة طويلة في الصحراء الجرداء تقدر بنحو 692 كيلوا مترا ، وكان المؤمنون يتدافعون إلى الجهاد ويشتاقون إلى الشهادة ، ولما أحس الروم بقدوم المسلمين انسحبوا من أطراف بلادهم إلى داخلها ، فلما وصل المسلمون إلى تبوك لم يجدوا للروم أثرا وقد عقد النبي صلى الله عليه وسلم معاهدات مع أمراء الحدود وعاد إلى المدينة مرهوب الجانب محفوظا بعناية الله .
وقد استقبل النبي صلى الله عليه وسلم المتخلفين عن الجهاد في غزوة تبوك ، فمنهم : أصحاب الأعذار الحقيقية ؛ وهؤلاء معذورون معفون من التبعة ، ومنهم : القادرون الذين قعدوا بدون عذر ؛ فعليهم تبعة التخلف ووزر النكوص عن الجهاد .
ثم تمضي سورة التوبة فتتحدث عن الأعراب فتذكر طبيعتهم وصنوفهم وموقفهم من الإيمان والنفاق .
ثم تقسم الجماعة الإسلامية كلها عند غزوة تبوك وبعدها ، إلى طبقاتها ودرجاتها وفق مقياس الإيمان والأعمال .
فهناك : السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان .
وهناك : المنافقون الذين تمرسوا بالنفاق وتعودوا عليه سواء كانوا من الأعراب أو من أهل المدينة .
وهناك : الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا واعترفوا بذنوبهم .
وهناك : الذين أخطئوا وأمرهم متروك لله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم .
وهناك : فئة أخلصت لله في الإيمان ، وتخلفت من غير عذر ثم ندمت ندما عميقا ، وضاقت الدنيا في وجهها ، ولجأت إلى الله تطلب مغفرته ورحمته ، فتاب الله عليهم وألهمهم طريق التوبة والسداد ؛ إن الله هو التواب الرحيم .
سورة التوبة هي آخر سور القرآن نزولا ، وفي هذه السورة نجد القول الفصل في علاقات الأمة المسلمة بالمشركين وبأهل الكتاب وبالمنافقين وهذا هو موضوعها الذي تدور حوله .
لقد كانت بين المسلمين وبعض المشركين عهود ولم يكن المشركون يحافظون على عهودهم إلا ريثما تلوح لهم فرصة ، يحسبونها مواتية للكرة على المسلمين ، وكان المشركون – حتى بعد فتح مكة – يطوفون بالبيت عرايا ، على عادتهم في الجاهلية ، ويصفقون ويصفرون مخلين بكرامة البيت العتيق ، فلم يكن بد أن تخلص الجزيرة العربية للإسلام ، وأن تتخلص من الشرك .
والجهاد هو الوسيلة لتطهير الجزيرة من رجس المشركين والمنافقين ، ومن ثم تناولت السورة موضوع الجهاد بالنفس ، والمال ، وبينت شرفه وأجره ، وأنحت على المتخلفين القاعدين ، واستجاشت وجدان المسلمين إلى قتال الكفار المنافقين بما صورت من كيدهم للمسلمين وحقدهم عليهم ، وتمنى الشر لهم ، وما تحمله لهم نفوسهم من الخصومة والبغضاء ، وما وقع منهم للرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين ، وبذلك كانت سورة التوبة تحمل القول الفصل في علاقات المسلمين بغيرهم وتحدد موقفهم الحاسم الأخير .
وقد لونت السورة أساليب الدعوة إلى الجهاد ، فحينا تنكر على المؤمنين تثاقلهم وإخلادهم إلى الأرض ، وحينا آخر تهتم بتطهير الجيش من عناصر الفتنة والخذلان ، ومرة أخرى توضح أن سنة الله ماضية لا تتخلف ، وأن من قوانين الحق سبحانه ، أن البقاء والعزة والسلطان إنما يكون للعاملين المجاهدين ، أما المتباطئون والمتثاقلون الذين يؤثرون حياتهم ويضنون بأنفسهم وأموالهم ويخلدون إلى الأرض ، ويعرضون عن دعوة الجهاد في سبيل حريتهم وبقائهم ، فإنهم ولا بد ذاهبون ، وهم لا محالة مستذلون مستعبدون .
تعرضت سورة التوبة لبيان فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانته السامية ومناقبه الكريمة ، فذكرت أن الله أنزل السكينة عليه وأيده بجنود من الملائكة في يوم حنين حين انهزم المؤمنون وولوا مدبرين .
ومن كرامة الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله نصره عند الهجرة مع صاحبه الصديق ، وكان الله معهما بتأييده وإنزاله الطمأنينة والأمان عليهما وحفظهما في الغار حتى عميت عنهما عيون الكفار ، وجعل الله كلمة المؤمنين في ارتفاع وانتصار ، وشأن الكافرين في هزيمة واندحار ، وقد أوجبت سورة التوبة على المؤمنين عدة واجبات تجاه نبيهم منها :
1 – وجوب محبته صلى الله عليه وسلم والتزام هديه والعمل بسنته كما نجد ذلك في الآية 25 .
2 – تحرى مرضاته ؛ لأن رضاه من رضي الله سبحانه ، ونجد ذلك في الآية 62 .
3 – وجوب طاعته والنصح له ووجوب نصره .
4 – تحريم إيذائه وتحريم معاداته وتحريم القعود عن الخروج معه في الجهاد .
وتختم السورة آياتها بذكر صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الرحمة المهداة ؛ لتطهير المؤمنين وتزكيتهم وتعليمهم ، والدعاء لهم ، فحبه فريضة ، وبغضه كفر وحرمان وقد تكفل الله بنصر رسوله حتى ولو تخلى عنه جميع الناس ، فإن معه الله القوي القدير .
قال تعالى : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم * فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم } . ( التوبة : 128 ، 129 ) .
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
{ بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ( 1 ) فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ( 2 ) وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( 3 ) إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( 4 ) }
براءة من الله ورسوله : المراد من البراءة : قطع العهد بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين الناكثين للعهد من المشركين .
1 – { بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ } .
قال الفخر الرازي : روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة تبوك وتخلف المنافقون ، وأرجفوا الأراجيف ، جعل المشركون ينقضون العهد ، فنبذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العهد إليهم .
أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أبا بكر رضي الله عنه أميرا على الحج في السنة التاسعة للهجرة ، فلما سافر نزلت سورة براءة ، متضمنة نقض عهود المشركين ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ، على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر بالطريق ، فلما رآه أبو بكر قال : أمير أو مأمور ؟ قال : بل مأمور ، ثم مضيا ، فأقام أبو بكر للناس الحج ، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية ، حتى إذا كان يوم النحر ؛ قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقرأ عليهم آيات من أول سورة براءة ، ثم قال – فيما رواه الترمذي والنسائي وأحمد – بعثت بأربع : ألا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته ، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر ، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، ولا يجتمع المسلمون والمشركون في الحج بعد عامهم هذا2 .
هذه براءة واصلة من الله ورسوله ، إلى الذين عاهدتم من المشركين ، بسبب نقضهم لعهودهم ، وإصرارهم على باطلهم3 .
المعنى : الإخبار للمسلمين ، بأن الله ورسوله قد برئا من تلك المعاهدات ، بسبب ما وقع من الكفار من النقض ، فصار إليهم بعهدهم ، واجبا على المعاهدين من المسلمين .
{ براءة } أي عظيمة ، ثم وصفها بقوله : { من } أي حاصلة واصلة من { الله } أي المحيط بصفات الكمال ، فهو العالم بمن يستحق الولاية ومن يستحق البراءة { ورسوله } أي المتابع لأمره لعلمه به .
ولما كانوا قد توقفوا في الحديبية كلهم{[35486]} أو كثير منهم تارة في نفس العهد وتارة في التأخر عن الأمر بالحلق ، ثم تابعوا في كل منهما ، وكان الكفار بمحل البعد عن كل خير ، أشار إلى ذلك بأداة الغاية ، وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع الله إشارة إلى أنه لا يخالفه أصلاً{[35487]} ، وأسندت المعاهدة إليهم إشارة إلى ذلك التوقف تحذيراً من أن يقع مثله ، فقال مخبراً عن النبذ{[35488]} الموصوف : { إلى الذين عاهدتم } أي أوقعتم العهد بينكم وبينهم { من المشركين* } أي وإن كانت معاهدتكم لهم{[35489]} إنما كانت بإذن من الله ورسوله ، فكما فعلتم المعاهدة بإذنهما فافعلوا النقض تبعاً لهما ، ودل سياق الكلام وما حواه من بديع الانتظام أن العهد إنما هو لأجل المؤمنين ، وأما الله ورسوله فغنيان عن ذلك ، أما الله فبالغنى المطلق ، وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فبالذي اختاره للرسالة لأنه ما فعل ذلك به إلا وهو قادر على نصره بسبب وبغير سبب ، وعلم أن ذلك فيمن نقض أو قارب من قوله بعد { إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً } - الآية ؛ قال البغوي : لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك{[35490]} كان المنافقون يرجفون الأراجيف ، وجعل المشركون ينقضون{[35491]} عهوداً كانت{[35492]} بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر الله بنقض عهودهم وذلك قوله تعالى : { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم }{[35493]}[ الأنفال : 58 ] انتهى . وذكر ذلك ابن إسحاق وغيره ، ولعله أطلق هنا ولم يقيد ممن خيف نقضه ليكون ذلك أول السورة مؤذناً بأن الخيانة وهم بالنقض شأن أكثرهم ولا سيما مشركو قريش ، وهم - لكون قريش رؤوس الناس والناس تبع لهم في الخير والشر - يستحقون أن يعبر عنهم بما يفهم الكل{[35494]} ومبنى هذه السورة على البراءة من المشركين والموالاة للمؤمنين الدال على إيمانهم طاعة الله بالصلاة والزكاة والجهاد لمن أمر بالبراءة منه قل أو كثر قرب أو بعد في المنشط والمكره والعسر واليسر .
ولما كان ظاهر الحال وقت تكامل نزولها - وهو شوال أو ذو القعدة أو ذو الحجة سنة تسع بعد مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك - أن الحرب قد وضعت أوزارها وأطفئت نارهم ببسط الإسلام في الخاص والعام ، وما بين اليمن والشام ، وانتشار ألويته وأعلامه ، وتأيد رئيسه وإمامه بقهر جيوش الكفار ، وقصد الناس له بالمبايعة{[35495]} من جميع الأمصار ، أكد أمر الجهاد ومصادمة الأنداد في هذه السورة تأكيداً لم يؤكد في غيرها ؛ ذكر الواقدي في أواخر غزوة تبوك كلاماً ثم قال : قالوا : وقدم رسول الله صلى لله عليه وسلم المدينة - يعني من غزوة تبوك - في رمضان سنة تسع ثم قال : وجعل المسلمون يبيعون{[35496]} أسلحتهم ويقولون : قد انقطع الجهاد ، فجعل القوي منهم يشتريها لفضل قوته ، فبلغ ذلك رسول{[35497]} الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن ذلك وقال : " لا تزال{[35498]} عصابة من أمتي يجاهدون على الحق حتى يخرج الدجال " وإنما قلت : إن تكامل نزولها كان في شوال أو في ذي القعدة أو في ذي الحجة لأن البغوي نقل عن الزهري أن أولها نزل في شوال ، وقال ابن إسحاق - ونقله عنه البيهقي في دلائل النبوة - : ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد منصرفه من تبوك بقية شهر رمضان وشوالاً وذا القعدة ثم بعث أبا بكر رضي الله عنه أميراً على الحج في سنة تسع ليقيم للمؤمنين حجهم والناس من أهل الشرك على منازلهم{[35499]} من حجهم - وأسند البيهقي في دلائله إلى عروة قال : فلما أنشأ الناس الحج تمام سنة{[35500]} تسع بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميراً على الناس وكتب له سنن الحج - انتهى . فخرج أبو بكر والمؤمنون رضي الله عنهم ونزلت براءة في نقض ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين{[35501]} المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينهم وبينه أن لا يصد عن البيت أحد{[35502]} جاءه ولا يخاف أحد في الشهر الحرام ؛ وكان ذلك عهداً عاماً بينه وبين الناس من أهل الشرك ؛ ونقل أبو محمد البستي عنه أنه قال : فكانت هذه المدة والعهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين العرب أنه{[35503]} لا يصد أحد عن البيت ولا يتعرض لحاج ولا معتمر ، ولا يقاتل في الشهر الحرام ؛ وكان أماناً مستفيضاً من بعضهم لبعض على غير مدة معلومة ؛ رجُع إلى ما رأيته أنا في سيرته : وكانت بين ذلك عهود بين رسوله صلى الله عليه وسلم وبين قبائل من العرب خصائص إلى آجال مسماة فنزلت فيه وفيمن{[35504]} تخلف من المنافقين عنه{[35505]} في تبوك وفي قول من قال منهم ، فكشف الله فيها سرائر أقوام كانوا يستخفون بغير ما يظهرون ؛ ثم قال ابن هشام : قال ابن إسحاق : وحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال : " لما نزلت براءة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان بعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه ليقيم للناس الحج قيل له : يا رسول الله ! لو بعثت بها إلى أبي بكر ! فقال :لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي{[35506]} ، ثم دعا علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له{[35507]} : اخرج بهذه القصة من صدر براءة فأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى أنه لا يدخل الجنة كافر ، ولا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته " .
فهذا فيه أنها{[35508]} نزلت بعد سفر أبي بكر رضي الله عنه ، و {[35509]}إنما قيدت أنا بتكامل نزولها لأنه ورد أن الذي في النقض فبعث به علياً رضي الله عنه{[35510]} إنما هو عشر آيات أو سبع ، وفي بعض الروايات التصريح بنزولها قبل سفر أبي بكر رضي الله عنه ، ففي زيادات مسند الإمام أحمد عن علي رضي الله عنه قال : " لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا بكر{[35511]} رضي الله عنه فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة ، ثم دعاني النبي صلى الله عليه وسلم فقال{[35512]} : أدرك أبا بكر ، فحيث ما لحقته فخذ الكتاب منه فاذهب به إلى أهل مكة فاقرأه عليهم - فذكره ، وفيه أن أبا بكر رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم بعدما رجع : أنزل فيّ شيء ؟ قال : لا ، ولكن جبريل عليه السلام جاءني فقال : لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك " ونقل البغوي عن ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم بعث مع أبي بكر بأربعين آية من صدر سورة براءة ليقرأها على أهل الموسم ، ثم بعث بعده علياً على ناقته الغضباء ليقرأ على الناس صدر{[35513]} براءة وأمره أن يؤذن بمكة ومنى وعرفة{[35514]} . وفيه أن أبا بكر رضي الله عنه قال : يا رسول الله ! أنزل في شأني{[35515]} شيء ؟قال : " لا ، ولكن لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا الأمر{[35516]} إلا رجل من أهلي " فتبين أن الأول من إطلاق الكل على الجزء لا سيما وهو الذي فيه البراءة ، وما سميت السورة براءة إلا به ؛ وأن المعنى : لا يؤدي عني{[35517]} في العهود ، لا مطلقاً ، فقد أرسل رسلاً{[35518]} للأداء عنه من غير أهل بيته ؛ وقال المهدوي{[35519]} في تفسير { فسيحوا في الأرض } : وروي أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بعد خروج{[35520]} أبي بكر بالناس ليحج بهم سنة تسع ، فبعث بها النبي صلى الله صلى عليه وسلم علياً رضي الله عنه ليتلوها على الناس بالموضع الذي يجتمع فيه الفريقان وهو منى ، وأمره أن ينادي : أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ، فنادى عليّ وأعانه أبو هريرة وغيره رضي الله عنهم ، وكان على مكة حينئذ عتاب بن أسيد رضي الله عنه ، استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو عام ثمان ، وكان حج عتاب وأبي بكر{[35521]} سنة تسع في ذي العقدة - كذا قال وسيأتي بيان بطلانه{[35522]} ، وتقدم خلافه عن ابن إسحاق في{[35523]} دلائل النبوة ؛ وقال الإمام أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي القاضي في تفسيره : حدثنا قتيبة عن{[35524]} الحجاج عن ابن جريج عن مجاهد قال : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من تبوك فأراد الحج فقال : إنه يحضر البيت المشركون يطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك ، فأرسل أبا بكر وعلياً رضي الله عنهما ، فطافا في الناس بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها كلها وبالموسم كله ، وآذنوا{[35525]} أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر - يعني{[35526]} أشهر الحرم المنسلخات المتواليات : عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون{[35527]} من ربيع الآخر ، ثم لا عهد لهم ، فآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا ، فآمن الناس{[35528]} أجمعون .
وفي سيرة ابن إسحاق : حدثنا يونس - يعني{[35529]} ابن بكير - عن أسباط بن{[35530]} نصر الهمداني عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي { فسيحوا في الأرض أربعة أشهر } قال : عشرين من ذي الحجة إلى عشر من ربيع الآخر ثم لا أمان لأحد ولا عهد إلا السيف أو الإسلام ؛ وقال ابن هشام : حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأذن في الناس بالذي أمره{[35531]} به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم ليرجع كل قوم إلى مأمنهم ؛ وللترمذي عن زيد بن أثيع{[35532]} قال : سألت علياً رضي الله عنه : بأيّ شيء بعثت ؟ قال : بأربع : لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا ، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته ومن لا مدة له فأربعة أشهر{[35533]} . ونقل ابن سيد الناس عن ابن عائذ{[35534]} أنه لما ضرب للمشركين هذا الأجل قالوا : بل الآن لا نبتغي تلك المدة ، نبرأ منك ومن ابن عمك إلا بالضرب{[35535]} والطعن ؛ فحج الناس عامهم ذلك ، فلما رجعوا رغب الله المشركين فدخلوا في الإسلام طوعاً وكرهاً . وصدق الله ورسوله فلم يحج بعد ذلك العام{[35536]} مشرك ولم يطف بالبيت عريان . وقد وردت نصوص وظواهر في كثير من سورة براءة أنه نزل قبل الرجوع عن تبوك أو قبل الاعتذار ، فمن النصوص قوله تعالى { لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم } وقوله { فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً } - الآيات ، { يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم } إلى أن قال : { سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم }[ التوبة : 95 ] وأما الظواهر فإن الواقدي قال في سيرته فأنزل من القرآن في غزوة تبوك ، ثم ذكر أكثر سورة{[35537]} براءة وقال هو وغيره من أصحاب السير : " وكان رهط من المنافقين يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك منهم وديعة بن ثابت - فذكر القصة التي فيها أن بعضهم قال ترهيباً للمؤمنين : أتحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم ؟ والله لكأنا{[35538]} بكم غداً مقرنين في الحبال ، وقال كل منهم شيئاً إلى أن قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر : أدرك القوم فإنهم قد احترقوا{[35539]} فسلهم عما قالوا ، فإن أنكروا فقل : بلى{[35540]} ، قلتم كذا وكذا - إلى أن قال : إن بعضهم قال : إنما كنا نخوض ونلعب ! فأنزل الله فيه { ولئن سألتهم ليقولن{[35541]} إنما كنا نخوض ونلعب - إلى قوله - بأنهم كانوا مجرمين } ثم قال : وجاء الجلاس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلف ما قال من ذلك شيئاً ، وكان قد قال : إن كان محمد صادقاً فنحن شر من الحمير ، فأنزل الله عز وجل فيه{[35542]} { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر } - إلى آخرها ، فاعترف الجلاس حينئذ وتاب وحسنت توبته " ، وذكر مسجد الضرار وأن أهله كانوا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو متجهز إلى تبوك أن يصلي لهم فيه فاعتذر إليهم بشغله بالسفر ووعدهم أن يصلي فيه إذا رجع ، فلما نزل صلى الله عليه وسلم بذي أوان - قال ابن هشام : بلد{[35543]} بينه وبين المدينة ساعة من نهار - أتاه خبره وخبر أهله من السماء ، فدعا{[35544]} اثنين{[35545]} من أصحابه فأمرهما به{[35546]} فأحرقاه ، وتفرق أهله ونزل فيه من القرآن ما نزل { والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً } - إلى آخر القصة ؛ قال الواقدي : وكان عاصم ابن عدي يقول : كنا نتجهز إلى تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت عبد الله بن نبتل{[35547]} وثعلبة بن حاطب قائمين على مسجد الضرار - إلى أن قال : فوالله ما رجعنا من سفرنا{[35548]} حتى نزل القرآن بذمه وذم أهله{ والذين اتخذوا مسجداً ضراراً }[ التوبة : 107 ] - إلى آخرها ، ومن ذلك تسميتها بالفاضحة ، فلولا نزولها قبل معرفة أخبارهم لم تكن فاضحة ، وهي في الظاهر للمعاهدين وفي الباطن مشيرة{[35549]} إلى أهل الردة وأن لا يقبل منهم إيمان ما لم يجمعوا بين الصلاة والزكاة كما{[35550]} فهم أبو بكر رضي الله عنه ، وأقيمت على ذلك قرائن منها تكرير الجمع بين الصلاة والزكاة في سياق الإيمان تكريراً لم يكن في غيرها من السور ، فهي من أعلام النبوة ؛ وروى أبو محمد إسحاق بن إبراهيم القاضي البستي في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن هذا الإسلام ثلاثون سهماً : عشر منها في براءة ، وعشر في الأحزاب ، وعشر في المؤمنين{[35551]} وسأل سائل .