تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ وَهُمۡ أَغۡنِيَآءُۚ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} (93)

وبهذه الآية يبدأ الجزء الحادي عشر من القرآن الكريم حيث يقول الحق سبحانه وتعالى :

{ إنما السبيل على الذين يستئذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون }( التوبة : 93 ) .

في ختام التفسير للجزء العاشر

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، اللهم ، لك الحمد حمدا كثيرا طيبا طاهرا مباركا فيه ، كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك .

والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، اللهم ، صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعد :

فهذا ختام الجزء العاشر من القرآن الكريم ، أسأل الله تعالى أن يكون هذا العمل خالصا لوجهه ، اللهم ، إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئا نلمه ، ونستغفرك لما لا نعلمه .

اللهم ، ارزقنا حسن النية ودوام العافية وشكر النعمة ، واهدنا لصالح الأعمال ؛ لا يهدي لصالح الأعمال إلا أنت .

{ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار } .

وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

أذان المغرب 23 ذو القعدة 1413 ه 14 مايو 1993 م .

{ إنما السبيل على الذين يستئذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون 93 } .

المفردات :

السبيل : الطريق .

الخوالف : المتخلفين . ويطلق أيضا على النساء والصبيان . وهو جمع خالفة .

وطبع الله على قلوبهم : ختم عليها حتى غفلوا عن وخامة العاقبة .

التفسير :

في الآية السابقة على هذه الآية رفع الله الحرج والإثم و العقوبة ، عمن تخلفوا بأعذار ، من الضعفاء والمرضى والفقراء الذين لا يجدون ما ينفقونه ، ثم بين سبحانه من يستحق المؤاخذة ؛ فقال :

93 { إنما السبيل على الذين يستئذنونك وهم أغنياء . . . } الآية .

أي : إنما سبيل المحاسبة والمؤاخذة ؛ لمن تخلفوا عن الجهاد ولا عذر لهم ؛ لأنهم قادرون بأشخاصهم على أداء هذا الواجب المفروض عليهم ؛ فهم ليسو ا ضعفاء أو مرضى ، وهم قادرون بأموالهم على أن يجدوا الزاد والراحلة ، و السلاح وأدوات الجهاد ؛ ولكنهم آثروا الدعة والراحة والسلامة لأنفسهم وضنوا بالمال والنفس عن الجهاد والبذل في سبيل الله .

فشتان بين من تخلف وهو مريض ، أو فقير عاجز عن الحصول على راحلة توصله إلى ميدان الجهاد إلى قائمة المتخلفين عن الجهاد من النساء والأطفال .

لقد قال سبحانه في الآية 91 : { ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا انصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل } .

ثم قال سبحانه في الآية 93 : { إنما السبيل على الذين يستئذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون } .

أي : إنما طريق العقوبة والمؤاخذة على الذين يستأذنونك في التخلف عن الغزو والجهاد ، وهم أغنياء ، قادرون على أن يجدوا ما يجهزون به أنفسهم .

{ رضوا بأن يكونوا مع الخوالف } .

أي : رضوا لأنفسهم أن يقبعوا في المدينة ؛ في جملة الخوالف من النساء والصبيان ، ومن لا يقوى على الجهاد إيثارا للسلامة والراحة والدعة .

{ وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون } .

لقد خالفوا أمر الله ؛ فخذلهم الله ، وسلب عنهم الهدى والتوفيق ، وطبع على قلوبهم فلم تقبل على الهدى ، ولم ترغب في الجهاد ، ولم تدرك فضل الجهاد وثوابه . و قريب من هذه الآية قوله تعالى : { بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } . ( المطففين : 14 ) . فهم عندما أعرضوا عن الله ؛ سلب الله عنهم الهدى وأغلق قلوبهم عن التفتح لقبول الحق .

{ فهم لا يعلمون } . ما فيه الربح لهم حتى يختاروه على ما فيه الخسران .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ وَهُمۡ أَغۡنِيَآءُۚ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} (93)

ولما نفى السبيل عمن وصفه{[37079]} كر على ذم من انتفى عنه هذا الوصف فقال تعالى : { إنما السبيل } أي{[37080]} باللوم وغيره { على الذين يستأذنونك } أي يطلبون إذنك في التخلف عنك راغبين فيه { وهم أغنياء } أي فلا عذر لهم في التخلف عنك وعدم مواساتك ، وتضمن قوله تعالى مستأنفاً : { رضوا بأن يكونوا } أي كوناً كأنه جبلة لهم{[37081]} { مع الخوالف } انتفاء{[37082]} الضعف والمرض عنهم من حيث إنه علل فعلهم برضاهم بالتخلف فأفهم ذلك أنه لا علة لهم سواه ، وأفهم أيضاً أن كل من كان كذلك كان مثلهم ولو أنه ضعيف أو مريض ، وكرر ذكر الخوالف تكريراً لعيبهم برضاهم بالكون في عداد{[37083]} النساء إذ{[37084]} كان ذلك من أعظم المعايب عند العرب ، وسمى الفاعل للطبع حيث حذفه من الأولى : ولما ذكره ، عظم الأمر فاقتضى ذلك عظم الطبع فنفى مطلق العلم فقال عاطفاً على " رضوا " : { وطبع الله } أي الذي له القدرة الكاملة{[37085]} والعلم المحيط { {[37086]}على قلوبهم{[37087]} } ثم سبب عن{[37088]} ذلك الرضى والطبع قوله : { فهم لا يعلمون* } أي لا علم لهم فلذلك جهلوا{[37089]} ما في الجهاد من منافع الدارين لهم فلذلك رضوا بما {[37090]}لا يرضى{[37091]} به عاقل ، وهو أبلغ من نفي الفقه في الأولى ، وزاد المناسبة حسناً ضم الأعراب في هذه الآيات إلى أهل الحاضرة وهم بعيدون من الفقه جديرون بعدم{[37092]} العلم .


[37079]:من ظ، وفي الأصل: وصف.
[37080]:سقط من ظ.
[37081]:سقط من ظ.
[37082]:من ظ، وفي الأصل: انتفى.
[37083]:في ظ: عدد.
[37084]:من ظ، وفي الأصل: إذا.
[37085]:سقط من ظ.
[37086]:تأخر في الأصل عن "والطبع قوله" والترتيب من ظ.
[37087]:تأخر في الأصل عن "والطبع قوله" والترتيب من ظ.
[37088]:سقط من ظ.
[37089]:في ظ: حملوا.
[37090]:في ظ: لم يرض.
[37091]:في ظ: لم يرض.
[37092]:في ظ: بعلم.