{ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ74 } .
74 { ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ . . . } الآية .
ثم أرسل الله رسلا كثيرين لهداية البشرية .
قال تعالى : { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم } . ( إبراهيم : 4 ) .
وكان كل رسول يأتي إلى قومه فيدعوهم إلى الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر ، ومع كل رسول معجزة خارقة للعادة ؛ تصديقا له في دعواه .
{ فما كان ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل } .
إن القوم مرنوا على التكذيب بالرسل ، فكلما جاء أمة رسول كذبوا به ، وكأنما وصّى السابق منهم اللاحق وتعودوا على هذا التكذيب ، كأن التكذيب طبيعة في جبلتهم ، والعناد صفة ملازمة لهم ، فما كان اللاحقون ليؤمنوا بما كذب به السابقون .
ومن معاني الآية أيضا : أن المكذبين كذبوا الرسول عندما جاءهم بالرسالة أول مرة ، ثم استمروا على عنادهم ، ولم يعاودوا النظر في هذه الرسالة ، ولم يعودوا إلى الإيمان بها بعد أن كذبوا بها أول مرة جاء بها رسولهم .
وقد ذهب إلى هذا المعنى الإمام ابن كثير في تفسيره ، حيث قال :
قوله : { فما كان ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل } .
أي : فما كانت الأمم لتؤمن بما جاءتهم به رسلهم ، بسبب تكذيبهم إياهم أول من أرسلوا إليهم .
قال تعالى : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة } . ( الأنعام : 110 ) .
وتفيد الآية عموما : استمرار هؤلاء الكفار على التكذيب والعناد ، دون أن تحولهم الآيات البينات التي جاءهم بها الرسل عن عنادهم وضلالهم .
{ كذلك نطبع على قلوب المعتدين } .
أي : كما نختم على قلوب هؤلاء فلا يؤمنوا بسبب تكذيبهم المتقدم ، هكذا نختم على قلوب من أشبههم في العناد ممن بعدهم من المعتدين كقومك ؛ فقد جرت سنة الله تعالى ، أن يرسل الرسل ، وينزل الكتب فإذا استمر أقوام الرسل في تكذيبهم ، ولم يفتحوا قلوبهم للنظر ، واستمروا على العناد ؛ سلب الله عنهم الهدى والرشاد ، وتركهم في غيهم وضلالهم كأنما ختم على هذه القلوب فلا تفقه الحق ولا تتأمل الرشاد ، وقريب من ذلك قوله تعالى :
{ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون * ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم } . ( البقرة : 6 ، 7 ) .
والطبع جار مجرى الكناية عن عنادهم ولجاجهم ؛ لأن الخذلان يتبعه ، ألا ترى كيف أسند إليهم الاعتداء ووصفهم به .
وبعبارة أخرى : المراد بالطبع : عدم قبول القلوب شيئا من نور الهداية والمعرفة ؛ لأنهم تجاوزوا كل حد في الكفر والتكذيب فلا يؤمنوا .
{ بالبينات } : أي بالحجج الواضحات على صدق دعوتهم ، وما يدعون إليه من توحيد الله تعالى .
{ نطبع } : الطبع على القلب عبادة عن تراكم الذنوب على القلب حتى لا يجد الإِيمان إليه طريقاً .
{ المعتدين } : الذين تجاوزوا الحد في الظلم والاعتداء على حدود الشرع .
ما ذكر تعالى طرفاً من قصة نوح عليه السلام وأبرز فيها مظهر التوكل على الله تعالى من نوح ليُقتَدَى ، ومظهر نصرة الله تعالى لأوليائه وهزيمته أعدائه ذكر هنا سنة من سننه في خلقه وهي أنه بعث من بعد نوح رسلاً كثيرين إلى أممهم فجاؤوهم بالبينات أي بالحجج والبراهين على صدقهم وصحة ما جاءوا به ودعوا إليه من توحيد الله ، فما كان أولئك الأقوام ليؤمنوا بما كذب به من سبقهم من نوح . قال تعالى : { كذلك نطبع على قلوب المعتدين } هذا بيان سنة الله تعالى في البشر وهي أن العبد إذا أذنب وواصل الذنب بدون توبة يصبح الذنب طبعاً من طباعه لا يمكنه أن يتخلى عنه ، وما الذنب إلا اعتداء على حدود الشارع فمن اعتدى واعتدى واصل الاعتداء حصل له الطبع وكان الختم على القلب فيصبح لا يقبل الإِيمان ولا يعرف المعروف ولا ينكر المنكر .
- بيان سنة الله في البشر وهي أن التوغل في الشر والفساد والظلم يوجب الختم على القلوب فيحرم العبد الإيمان والهداية .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.