تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ} (35)

34

35 - كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ .

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ .

ذائقة الموت : كل نفس ستدرك الموت عند نهاية الحياة ، والمراد من الموت : مقدماته من الآلام الشديدة ، والمدرك هي النفس المفارقة للبدن .

نبلوكم : نختبركم ، أي : نعاملكم معاملة المختبر .

بالشر والخير : بالبلايا والنعم ، أو المحبوب والمكروه ، كفقر وغنى ، وسقم وصحة ، وذل وعز .

فتنة : ابتلاء وامتحانا ؛ لننظر أتصبرون وتشكرون أم لا .

وإلينا ترجعون : فنجازيكم حسبما يوجد منكم من الصبر والشكر ، وفيه إيماء بأن المقصود من هذه الحياة : الابتلاء .

فهي قضية عامة تشمل الإنسان والحيوان والنبات ، هذا هو الناموس الذي يحكم هذه الحياة ، إنه الموت نهاية كل حي ، وعاقبة المطاف للرحلة القصيرة على الأرض ، فما أجدر الإنسان بأن يعد الزاد للحياة الحقيقية في الدار الآخرة .

وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ . ( العنكبوت : 64 ) .

والمقصود من هذه الحياة الدنيا : الاختبار ، والابتلاء ، والامتحان .

وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ .

نختبركم بالفقر والغنى ، والمرض والصحة ، والشقاء والسعادة ، والبلاء والعافية ؛ امتحانا لكم ، واختبارا لأنفسكم ، ولنشاهد نحن وملائكتنا ماذا كان وقع الابتلاء بأنفسكم ؛ هل صبرتم على البلاء ؟ هل شكرتم على النعماء ؟ جزعتم من البلاء ؟ وأترفتم بالنعماء ؟ هل أديتم حق الله في أنفسكم وأموالكم وسائر نعم الله عليكم ؟ هل صبرتم على المصائب ؟ هل شكرتم على النعم ؟

قال تعالى : الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا . ( الملك : 2 ) .

وقال سبحانه : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً . ( الكهف : 7 ) .

فالحياة اختبار ، والمال والجاه والسلطان وسائر النعم ، هي مادة ذلك الاختبار ، وكثيرون ينجحون في الصبر والاحتمال ويتحملون الشدائد ، وقليلون هم الذين ينجحون في الرخاء والنعم والدعة والراحة والمال والغنى .

يقول الأستاذ سيد قطب :

إن الابتلاء بالخير أشد وطأة ، وإن خيل للناس أنه دون الابتلاء بالشر .

إن كثيرين يصمدون للابتلاء بالشر ، ولكن القلة القليلة هي التي تصمد للابتلاء بالخير .

كثيرون يصبرون على الابتلاء بالمرض والضعف ، ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الابتلاء بالصحة والقدرة ، ويكبحون جماح القوة الهائجة في كيانهم ، الجامحة في أوصالهم .

كثيرون يصبرون على الفقر والحرمان فلا تتهاوى نفوسهم ولا تذل ، ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الثراء والمقدرة ، وما يغريان به من متاع ، وما يثيرانه من شهوات وأطماع !

كثيرون يصبرون على التعذيب والإيذاء فلا يخفيهم ، ويصبرون على التهديد والوعيد فلا يرهبهم ، ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الإغراء بالرغائب والمناصب والمتاع والثراء !

كثيرون يصبرون على الكفاح والجراح ؛ ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الدعة والمراح ، ثم لا يصابون بالحرص الذي يذل أعناق الرجال ؛ وبالاسترخاء الذي يقعد الهمم .

إن الابتلاء بالشدة قد يثير الكبرياء ، ويستحث المقاومة ويجند الأعصاب ، فتكون القوى كلها معبأة ؛ لاستقبال الشدة والصمود لها ، أما الرخاء فيرخي الأعصاب وينميها ، ويفقدها القدرة على اليقظة والمقاومة .

لذلك يجتاز الكثيرون مرحلة الشدة بنجاح ، حتى إذا جاء الرخاء سقطوا في الابتلاء ! وذلك شأن البشر . . . إلا من عصم الله فكانوا ممن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له )12 .

فاليقظة للنفس في الابتلاء بالخير أولى من اليقظة لها في الابتلاء بالشر ، والصلة بالله في الحالين ، هي وحدها الضمان13 .

وإذا تأملت أيها المسلم وجدت أن المال والجاه والسلطان وسائر النعم هي خيرات يتفضل الله بها على عباده ، والقلب الموصول بالله ، يرى أن كل نعمة من الله ، وأنه مستخلف عن الله في إدارتها وإنفاقها قال تعالى : وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه . . . ( الحديد : 7 ) .

وقد ورد في هدى القرآن الكريم والسنة المطهرة : دعوة متكررة تحث على الصبر على البأساء وعلى الشكر على النعماء ، وتحذر من الجزع والهلع واليأس ، كما تحذر من البطر والترف والغرور .

والمؤمن حقا متوازن ؛ إذا جاءت النعم ، سخرها في طاعة الله ، وأنفق من ماله في جهات الخير والبر ، وسخر أنعم الله عليه في مصالح العباد ، ومرضاة الله رب العالمين ، وإذا ابتلاه الله بالشدة أو المرض أو الفقر لم يهلع ولم يجزع وصبر واحتسب .

قال تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ . ( البقرة : 155 – 157 ) .

وقال عز شأنه :

إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إلآَّ الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ . ( المعارج : 19 – 26 ) .

وفي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( ما يصيب المؤمن من هم ولا حزن ، ولا تعب ولا وصب ، حتى الشوكة يشاكها ؛ إلا كفر الله بها من خطاياه ، ولا يزال البلاء يصيب المؤمن حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة )14 .

ويقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس )15 .

وختاما : إن لله حكمة عليا في هذا الكون ؛ فهو يمتحن عباده بالخير حينا وبالشر حينا كما قال سبحانه : وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون . ( الأعراف : 168 ) .

وقال عز شأنه : ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون . ( الأنعام : 42 ) .

وقال تعالى : ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير . ( الشورى : 27 ) .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ} (35)

{ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ْ } وهذا يشمل سائر نفوس الخلائق ، وإن هذا كأس لا بد من شربه وإن طال بالعبد المدى ، وعمّر سنين ، ولكن الله تعالى أوجد عباده في الدنيا ، وأمرهم ، ونهاهم ، وابتلاهم بالخير والشر ، بالغنى والفقر ، والعز والذل والحياة والموت ، فتنة منه تعالى ليبلوهم أيهم أحسن عملا ، ومن يفتتن عند مواقع الفتن ومن ينجو ، { وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ْ } فنجازيكم بأعمالكم ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر { وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ْ } وهذه الآية ، تدل على بطلان قول من يقول ببقاء الخضر ، وأنه مخلد في الدنيا ، فهو قول ، لا دليل عليه ، ومناقض للأدلة الشرعية .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ} (35)

ثم أكد - سبحانه - عدم خلود بشر فى هذه الحياة فقال : { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت } .

أى : كل نفس أوجدها الله - تعالى - فى هذه الحياة ، ستذوق مرارة نزول الموت بها . ومفارقة روحها لجسدها .

قال الآلوسى ما ملخصه : والموت عند الأشعرى ، كيفية وجودية تضاد الحياة ، وعند كثيرين غيره : أنه عدم الحياة عما من شأنه الحياة بالفعل .

وقال بعضهم : المراد بالنفس هنا : النفس الإنسانية لأن الكلام مسوق لنفى خلود البشر .

واختير عمومها لتشمل نفوس البشر والجن وسائر نفوس الحيوان .

وقوله - تعالى - : { وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } بيان لسنة من سننه - تعالى - فى معاملة عباده .

وقوله - سبحانه - : { وَنَبْلُوكُم } من البَلْوِ بمعنى الاختبار والامتحان . يقال : فلان بلاه الله بخير أو شر يبلوه بَلْواً ، وأبلاه وابتلاه ابتلاء ، بمعنى امتحنه .

وقوله : { فِتْنَةً } مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه .

أى : كل نفس ذائقة الموت ، ونختبركم فى هذه الحياة بألوان من النعم وبألوان من المحن ، لنرى أتشكرون عند النعمة ، وتصبرون عند المحنة ، أم يكون حالكم ليس كذلك ؟ وفى جميع الأحوال فإن مرجعكم إلينا لا محالة ، وسنجازيكم بما تستحقون من ثواب على شكركم وصبركم ، وسنجازى غير الشاكرين وغير الصابرين بما يستحقون من عقاب ، ولا يظلم ربك أحدا .

قال بعض العلماء : " والابتلاء بالشر مفهوم أمره ليتكشف مدى احتمال المبتلى ، ومدى صبره على الضر ، ومدى ثقته فى ربه ، ورجائه فى رحمته .

. . فأما الابتلاء بالخير فهو فى حاجة إلى بيان .

إن الابتلاء بالخير أشد وطأة . فكثيرون يصمدون أمام الابتلاء بالشر ولكن القلة القليلة هى التى تصمد للابتلاء بالخير .

كثيرون يصبرون على الابتلاء بالمرض والضعف ، وقليلون هم الذين يصبرون على الابتلاء بالصحة والقدرة .

كثيرون يصبرون على الفقر والحرمان ، فلا تتهاوى نفوسهم ولا تذل . وقليلون هم الذين يصبرون على الثراء ومغرياته وما يثيره من أطماع .

كثيرون يصبرون على الكفاح و الجراح ، وقليلون هم الذين يصبرون على الدعة ، ولا يصابون بالحرص الذى يذل أعناق الرجال .

إن الابتلاء بالشر قد يثير الكبرياء ، ويستحث المقاومة ويجند الأعصاب لاستقبال الشدة . . . أما الرخاء فقد يرخى الأعصاب ويفقدها المقاومة . . . إلا من عصم الله ، وصدق رسوله الله - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول : " عجبا لأمر المؤمن ، إن أمره كله خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له " .

وشيبه بهذه الآية قوله - تعالى - : { وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بالبأسآء والضرآء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } وقوله - سبحانه - : { وَبَلَوْنَاهُمْ بالحسنات والسيئات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }