{ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب27 الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب28 الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب29 } .
وقال ابن عباس : فرح لهم وقرة عين . وقال قتادة : حسنى لهم ، إلى غير ذلك من المعاني التي ترجع إلى ما ذكره الزجاج ، وقيل : هي : اسم للجنة ، أو لشجرة فيها .
27 { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه . . . } .
لازال الحديث متصلا في شأن أهل مكة ، والمراد بهم : عبد الله بن أمية وأصحابه ، حين طالبوا النبي صلى الله عليه وسلم بالآيات الكونية ؛ فقد اقترح مشركو مكة على النبي صلى الله عليه وسلم ، أن يأتي بآيات ومعجزات حسية كناقة صالح ، وعصا موسى ونحو ذلك ؛ من الآيات الحسية الملموسة .
قال تعالى : { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا* أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا* أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا* أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا* وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا } ( الإسراء : 90 94 ) .
والمعنى : يقول الذين كفروا من أهل مكة : هلا أنزل على محمد معجزة ملموسة ، مثل تحويل الصحراء إلى بساتين كأرض الشام ، أو إحياء جدهم قصىّ ، أو سقوط السماء عليهم كسفا ، أو تحويل الصفا ذهبا ، أو تفجير ينابيع المياه في مكة وما حولها ، أو أن يمتلك محمد بيتا من ذهب ، أو يصعد إلى السماء ويعود ومعه كتاب من الله يفيد : أن محمدا رسول حقا ، أو يأتي بالله والملائكة جميعا أمامهم ؛ ليشاهدوهم ، وغير ذلك من الآيات التي تفيد : تعنت المشركين ؛ لأنهم لم يستخدموا عقولهم ، ولم يفتحوا قلوبهم ؛ ليتدبروا أن هذا الذي أرسل إليهم بشر مثلهم ، يوحى إليه بوحي فمن اهتدى به ؛ آمن ، ومن أعرض عنه ؛ جحد وكفر ، ولن يفيد الكافرون كثرة الآيات ، ولا حجم المعجزات ، مادامت قلوبهم تصر على الجحود والإعراض ، قال تعالى : { وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون }( يونس : 101 ) .
وقال سبحانه : { ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون }( الأنعام : 111 ) .
{ قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب } .
إن هداية السماء تحتاج إلى إقبال وتفتح ، ورغبة في المعرفة والفهم ، وتبصر في حقيقة الإيمان ، فمن أعرض عن الهدى ، واختار الضلال والكفر ؛ سلب الله عنه أسباب الهداية ، وتركه في حيرة وضلال ، ومن اختار أسباب الهداية ؛ يسر الله له الهدى ؛ لأنه رجع عن العناد ، وأناب إلى الله وتبصر في وحيه ودعوته ، أي : قل لهم يا محمد : إن الله يضل الكافرين ؛ لإعراضهم ، ويهدي إلى دينه ، { من أناب } ، أي : رجع إليه وسلك سبيله ،
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك بعض المطالب المعنتة التي طلبها الكافرون من النبى - صلى الله عليه وسلم - ورد عليها بما يبطلها ، ومدح المؤمنين لاطمئنان قلوبهم إلى سلامة دينهم من كل نقص ، وأيأسهم من إيمان أعدائهم لاستيلاء العناد والجحود على قلوبهم ، فقال - تعالى - :
{ وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ . . . } .
قوله - سبحانه - { وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ } حكاية لما طلبه مشركو مكة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سبيل التعنت والطغيان . ومرادهم بالآية : آية كونية كإحياء الموتى وإزاحة الجبال من أماكنها " لولا " هنا : حرف تحضيض بمعنى هلا .
أى : ويقول الكافرون على سبيل العناد والجحود ، هلا أنزل على هذا الرسول آية كونية تدل على صدقه ، كأن يحيى لنا موتانا ، أو أن يحول لنا جبل الصفا ذهبا . .
وكأنهم يرون أن القرآن الذي نزل عليه - صلى الله عليه وسلم - لا يكفى - في زعمهم - أن يكون آية ومعجزة شاهدة على صدقه .
وقد أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم بقوله : { قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ويهدي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ } .
أى : قل لهم أيها الرسول الكريم على سبيل التعجب من أحوالهم ومن شدة ضلالهم : إن الله - تعالى - يضل عن طريق الحق من يريد إضلاله ، لاستحباب هذا الضال العمى على الهدى ، ويهدى إلى صراطه المستقيم ، من أناب إليه - سبحانه - ورجع إلى الحق الذي جاء به رسوله - صلى الله عليه وسلم - بقلب سليم ، وعقل متفتح لمعرفة الصواب والرشاد .
فالجملة الكريمة تعجيب من أقوالهم الباطلة ، ومن غفلتهم عن الآيات الباهرة التي أعطاها الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى رأسها القرآن الكريم الذي هو آية الآيات ، وحض لهم على الإِقلاع عما هم عليه من العنو والعناد .
والإِنابة : الرجوع إلى الشئ بعد تردد ، فقد جرت عادة كثيرة من النفوس البشرية أن يعرض عليها الحق فتتردد في قبوله في أول الأمر ، ثم تعود إلى قبوله واعتناقه بعد قيام الدلائل على صحته وسلامته من الفساد .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف طابق قولهم { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ } قوله { قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ . . . } ؟
قلت : هو كلام يجرى مجرى التعجب من قولهم ، وذلك أن الآيات الباهرة والمتكاثرة التي أوتيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يؤتها نبى قبله ، وكفى بالقرآن وحده آية وراء كل آية . فإذا جحدوها ولم يهتدوا بها وجعلوه كأن آية لم تنزل عليه قط ، كان موضعاً للتعجب والاستنكار ، فكأنه قيل لهم : ما أعظم عنادكم وما أشد تصميمكم على كفركم ، إن الله يضل من يشاء ممن كان على صفتكم من التصميم وشدة الشكيمة في الكفر ، فلا سبيل إلى اهتدائهم وإن أنزلت كل آية { ويهدي إِلَيْهِ مَنْ } كان على خلاف صفتكم { أَنَابَ } أقبل إلى الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.