تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَمۡلَيۡتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ} (32)

{ ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب32 أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فماله من هاد 33 لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق ومالهم من الله من واق34 } .

المفردات :

فأمليت للذين كفروا : أي : أمهلتهم وتركتهم ملاوة من الزمان دون عقاب .

التفسير :

32 { ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب } .

تأتي هذه الآية في أعقاب طلب كفار مكة من النبي صلى الله عليه وسلم ، عددا من الآيات المادية على سبيل السخرية والاستهزاء ، والتعنت والعناد ، حيث طلبوا : زحزحة الجبال عن مكة ، وتفجير عيون الأرض ، وإحياء الموتى ، فقال الله لنبيه : لا تحزن ولا تبتئس من تعنت هؤلاء المشركين ، فكثيرا ما سخر الكافرون من المرسلين قبلك .

قال تعالى عن نوح : { ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون* فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم } . ( هود : 39 ، 38 ) .

{ فأمليت للذين كفروا } . أي : أمهلتهم وتركتهم مرة من الزمان في أمن ودعة .

{ ثم أخذتهم } . أي : أحللت بهم عذابي ونقمتي حين تمادوا في غيهم وضلالهم ؛ { فكيف كان عقاب } . فانظر كيف كان عقابي إياهم حين عاقبتهم ، ألم أذقهم أليم العذاب ، وأجعلهم عبرة لأولي الألباب ؟ ! xxxvii .

وقد عقب ابن كثير على تفسير الآية بقوله :

ومثل هذه الآية قوله تعالى : { وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير }( الحج : 48 ) .

وفي الصحيحين : ( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ) ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد }xxxviii( هود : 102 ) .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَمۡلَيۡتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ} (32)

ثم أخذت السورة الكريمة بعد ذلك في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وفى إقامة الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وعلى بطلان الشرك ، وفى بيان ما أعده للكافرين من عقاب ، وما أعده للمتقين من ثواب فقال تعالى :

{ وَلَقَدِ استهزئ بِرُسُلٍ . . . } .

قوله - سبحانه - { وَلَقَدِ استهزئ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ . . . . } تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من حزن بسبب تعنت المشركين معه . ومطالبتهم له بالمطالب السخيفة التي لا صلة لها بدعوته ، كطلبهم منه تسيير الجبال وتقطيع الأرض ، وتكليم الموتى .

والاستهزاء : المبالغة في السخرية والتهكم من المستهزأ به . والإِملاء : الإمهال والترك لمدة من الزمان .

والتنكير في قوله { برسل } للتكثير ، فقد استهزأ قوم نوح به ، وكانوا كلما مروا عليه وهو يصنع السفينة سخروا منه .

واستهزأ قوم شعيب به وقالوا له : { فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ السمآء إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } واستهزأ قوم هود به وقالوا له : { إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ . . . } واستهزأ فرعون بموسى فقال : { أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هذا الذي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ } والمعنى : ولقد استهزأ الطغاة والجاحدون برسل كثيرين من قبلك -أيها الرسول الكريم - { فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } أى : فأمهلتهم وتركتهم مدة من الزمان في أمن ودعة .

{ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ } أخذ عزيز مقتدر { فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } فانظر كيف كان عقابى إياهم ، لقد كان عقابا رادعا دمرهم تدميرا .

فالاستفهام للتعجيب مما حل بهم ، والتهويل من شدته وفظاعته وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : { وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ المصير } قال ابن كثير : وفى الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " وإن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم { وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } " .