{ ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون } .
هذه طبيعة فريق من الناس ، يلجئون إلى الله تعالى في الشدائد ضارعين متلهفين ، فإذا استجاب الله لدعائهم ، وتحولت الشدة إلى رخاء ، إذا بفريق منهم ينسى ما كان فيه من شدة وبلاء ، وينسى فضل الله عليه في استجابة الدعاء ، ويجعل لله شركاء في العبادة ، فيعبدون الأوثان ويذبحون لها الذبائح ، شكرا لغير من أنعم بالفرج وأزال من الضر .
ونحو الآية قوله تعالى : { وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلمّ نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا } . ( الإسراء : 67 ) .
وفي الآية ما يدل على : أن صنيع العوام اليوم ، من الجؤار إلى غير الله تعالى ، ممن لا يملك لهم بل ولا لنفسه نفعا ولا ضرا عند إصابة الضر بهم ، وإعراضهم عن دعائه تعالى بالكلية سفه عظيم ، وضلال جديد ؛ لكنه أشد من الضلال القديم ، ومما تقشعر منه الجلود ؛ لحصوله ممن يؤمن باليوم الموعود .
إن بعض المتشيخين قال لي وأنا صغير : إياك أن تستغيث بالله إذا خطب دهاك ، فإن الله تعالى لا يعجل إغاثتك ، ولا يهمه سوء حالتك ، وعليك بالاستغاثة بالأولياء السالفين ، فإنهم يعجلون في تفريج كربك ، ويهمهم سوء ما حل بك ؛ فمجّ ذلك سمعي وهَمَى دمعي ، وسألت الله تعالى : أن يعصمني والمسلمين ، من أمثال هذا الضلال المبين ، ولكثير من المتشيخين اليوم كلمات مثل ذلك . اه .
ثم استعمل فى رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة.
أى: كل ما يصاحبكم من نعمة فهو من الله - تعالى - فكان من الواجب عليكم أن تشكروه على ذلك، ولكنكم لم تفعلوا، فإنكم إذا نزل بكم الضر، صحتم بالدعاء، ورفعتم أصواتكم بالتضرع، ليكشف عنكم ما حل بكم، فإذا ما كشف - سبحانه - عنكم الضر، سرعان ما يقع فريق منكم فى الشرك الذى نهى الله - تعالى - عنه.
و " ثم " فى هاتين الآيتين للتراخى الرتبى، لبيان الفرق الشاسع بين حالتهم الأولى وحالتهم الثانية.
والتعبير بالمس فى قوله { ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ?لضُّرُّ.. } للإِيماء بأنهم بمجرد أن ينزل بهم الضر ولو نزولا يسيرا، جأروا إلى الله - تعالى - بالدعاء لكشفه.
وقدم - سبحانه - الجار والمجرور فى قوله { فإليه تجأرون } لإِفادة القصر، أى إليه وحده ترفعون أصواتكم بالدعاء ليرفع عنكم ما نزل بكم من بلاء، لا إلى غيره؛ لأنكم تعلمون أنه لا كاشف للضر إلا هو - سبحانه -.
و " إذا " الأولى فى قوله { ثُمَّ إِذَا كَشَفَ.. } شرطية والثانية وهى قوله { إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم.. } فجائية، وهى جواب الأولى.
وهذا التعبير يشير إلى مسارعة فريق من الناس، إلى جحود نعم الله - تعالى - بمجرد أن يكشف عنهم الضر بدون تريث أو تمهل.
وقال - سبحانه - { فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } لتسجيل الشرك على هذا الفريق ولإِنصاف غيره من المؤمنين الصادقين، الذين يشكرون الله - تعالى - فى جميع الأحوال، ويواظبون على أداء ما كلفهم به فى السراء والضراء.
وهذا المعنى الذى تضمنته هاتان الآيتان، قد جاء ما يشبهه فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى:
{ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ?لإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ ?لشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ }
{ وَإِذَا مَسَّ ?لإِنسَانَ ?لضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى? ضُرٍّ مَّسَّهُ.. }
فهذه الآيات الكريمة تصور الطبائع البشرية أكمل تصوير وأصدقه، إذ الناس - إلا من عصم الله - يجأرون إلى الله - تعالى - بالدعاء عند الشدائد والمحن، وينسونه عند السراء والرخاء.
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.