تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنكُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ} (54)

51

{ ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون } .

هذه طبيعة فريق من الناس ، يلجئون إلى الله تعالى في الشدائد ضارعين متلهفين ، فإذا استجاب الله لدعائهم ، وتحولت الشدة إلى رخاء ، إذا بفريق منهم ينسى ما كان فيه من شدة وبلاء ، وينسى فضل الله عليه في استجابة الدعاء ، ويجعل لله شركاء في العبادة ، فيعبدون الأوثان ويذبحون لها الذبائح ، شكرا لغير من أنعم بالفرج وأزال من الضر .

ونحو الآية قوله تعالى : { وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلمّ نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا } . ( الإسراء : 67 ) .

جاء في تفسير الآلوسي :

وفي الآية ما يدل على : أن صنيع العوام اليوم ، من الجؤار إلى غير الله تعالى ، ممن لا يملك لهم بل ولا لنفسه نفعا ولا ضرا عند إصابة الضر بهم ، وإعراضهم عن دعائه تعالى بالكلية سفه عظيم ، وضلال جديد ؛ لكنه أشد من الضلال القديم ، ومما تقشعر منه الجلود ؛ لحصوله ممن يؤمن باليوم الموعود .

إن بعض المتشيخين قال لي وأنا صغير : إياك أن تستغيث بالله إذا خطب دهاك ، فإن الله تعالى لا يعجل إغاثتك ، ولا يهمه سوء حالتك ، وعليك بالاستغاثة بالأولياء السالفين ، فإنهم يعجلون في تفريج كربك ، ويهمهم سوء ما حل بك ؛ فمجّ ذلك سمعي وهَمَى دمعي ، وسألت الله تعالى : أن يعصمني والمسلمين ، من أمثال هذا الضلال المبين ، ولكثير من المتشيخين اليوم كلمات مثل ذلك . اه .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنكُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ} (54)

ثم استعمل فى رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة.

أى: كل ما يصاحبكم من نعمة فهو من الله - تعالى - فكان من الواجب عليكم أن تشكروه على ذلك، ولكنكم لم تفعلوا، فإنكم إذا نزل بكم الضر، صحتم بالدعاء، ورفعتم أصواتكم بالتضرع، ليكشف عنكم ما حل بكم، فإذا ما كشف - سبحانه - عنكم الضر، سرعان ما يقع فريق منكم فى الشرك الذى نهى الله - تعالى - عنه.

و " ثم " فى هاتين الآيتين للتراخى الرتبى، لبيان الفرق الشاسع بين حالتهم الأولى وحالتهم الثانية.

والتعبير بالمس فى قوله { ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ?لضُّرُّ.. } للإِيماء بأنهم بمجرد أن ينزل بهم الضر ولو نزولا يسيرا، جأروا إلى الله - تعالى - بالدعاء لكشفه.

وقدم - سبحانه - الجار والمجرور فى قوله { فإليه تجأرون } لإِفادة القصر، أى إليه وحده ترفعون أصواتكم بالدعاء ليرفع عنكم ما نزل بكم من بلاء، لا إلى غيره؛ لأنكم تعلمون أنه لا كاشف للضر إلا هو - سبحانه -.

و " إذا " الأولى فى قوله { ثُمَّ إِذَا كَشَفَ.. } شرطية والثانية وهى قوله { إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم.. } فجائية، وهى جواب الأولى.

وهذا التعبير يشير إلى مسارعة فريق من الناس، إلى جحود نعم الله - تعالى - بمجرد أن يكشف عنهم الضر بدون تريث أو تمهل.

وقال - سبحانه - { فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } لتسجيل الشرك على هذا الفريق ولإِنصاف غيره من المؤمنين الصادقين، الذين يشكرون الله - تعالى - فى جميع الأحوال، ويواظبون على أداء ما كلفهم به فى السراء والضراء.

وهذا المعنى الذى تضمنته هاتان الآيتان، قد جاء ما يشبهه فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى:

{ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ?لإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ ?لشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ }

وقوله - سبحانه -:

{ وَإِذَا مَسَّ ?لإِنسَانَ ?لضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى? ضُرٍّ مَّسَّهُ.. }

فهذه الآيات الكريمة تصور الطبائع البشرية أكمل تصوير وأصدقه، إذ الناس - إلا من عصم الله - يجأرون إلى الله - تعالى - بالدعاء عند الشدائد والمحن، وينسونه عند السراء والرخاء.