{ بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } .
أي : أرسلنا الرسل رجالا من البشر ، وقد أرسلناهم بالبينات والزبر ، أي : بالمعجزات والكتب التي تحمل الشرائع والعبادات والمعاملات .
{ والزبر } : جمع زبور بمعنى : مزبور أي : مكتوب ، يقال : زبرت الكتاب : من باب نصر وضرب ، أي : كتبته كتابة عظيمة .
{ بالبينات والزبر } . لفظة جامعة لكل ما تتكامل به الرسالة ؛ لأن مدار أمرها على المعجزات ، الدالة على صدق من يدّعي الرسالة وهي البينات ، وعلى التكاليف التي يبلغها الرسول من الله تعالى إلى العباد وهي الزبر . اه .
{ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } . أي : أنزلنا القرآن الكريم عليك يا محمد ، وهو ذكر وشرف وبيان لك ولقومك ، وقد اشتمل القرآن الكريم على الأمور الكلية ، فهو أصل الشريعة وكليّ أمورها ، وفيه إجمال لأمهات الفضائل وأصول التشريع ، والنبي صلى الله عليه وسلم : شارح للقرآن ومبين له ، ومفصل لمجمله ، وموضح لمبهمه . قال صلى الله عليه وسلم : ( ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه ، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن ، فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه . . . )32 .
جاء في تفسير ابن عطية ما يأتي :
وقوله : { لتبين } . يحتمل أن يريد : لتبين بسردك نص القرآن ما نزل ، ويحتمل أن يريد : لتبين بتفسيرك المجمل ، وبشرحك ما أشكل مما نزل ، فيدخل في هذا ما تبينه السنة من أمر الشريعة ، وهذا قول مجاهد33 .
{ ولعلهم يتفكرون } . أي : أنزل الله القرآن الكريم ، والذكر الحكيم ، على النبي الأمين ؛ ليشرح للعباد أمور دينهم ، ويبين لهم ما في كتاب الله تعالى ، ويوضح لهم أهدافه ومراميه ؛ حتى يثير في الناس أسباب التأمل ، والتفكر في آيات القرآن الكريم والاتعاظ بها والعمل بمقتضاها ، قال تعالى : { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب } . ( ص : 29 ) .
وفي كتب علوم الحديث ، نجد بيانا مستفيضا لمنزلة الحديث الشريف ؛ فهو الأصل الثاني من أصول التشريع ، والرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ للناس هذا الكتاب وشارح له ، والكتاب لا يستغني عن بيان الرسول صلى الله عليه وسلم وشرحه ، فقد كان عليه الصلاة والسلام قرآنا متحركا ، يجسد الوحي ، ويشرحه بالقول والعمل والإقرار .
سئلت السيدة عائشة عن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقالت : " كان خلقه القرآن " 34 .
وهذه الآية توضح منزلة السنة ، فهي ضرورية لشرح القرآن ، وتفصيل أحكامه ، قال تعالى : { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } .
وقوله - سبحانه - : { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } . بيان للحكم التى من أجلها أنزل الله - تعالى - القرآن على النبى صلى الله عليه وسلم .
أى : وأنزلنا إليك - أيها الرسول الكريم - القرآن ، لتعرف الناس بحقائق وأسرار ما أنزل لهدايتهم فى هذا القرآن من تشريعات وآداب وأحكام ومواعظ ولعلهم بهذا التعريف والتبيين يتفكرون فيما أرشدتهم إليه ، ويعملون بهديك ويقتدون بك فى أقوالك وأفعالك ، وبذلك يفوزون ويسعدون .
فأنت ترى أن الجملة الكريمة قد اشتملت على حكمتين من الحكم التى أنزل الله - تعالى - من أجلها القرآن على النبى صلى الله عليه وسلم .
أما الحكمة الأولى : فهى تفسير ما اشتمل عليه هذا القرآن من آيات خفى معناها على أتباعه ، بأن يوضح لهم صلى الله عليه وسلم ما أجمله القرآن الكريم من أحكام أو يؤكد لهم صلى الله عليه وسلم هذه الأحكام .
ففى الحديث الشريف عن المقدام بن معد يكرب ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " ألا وإنى أوتيت الكتاب ومثله معه ، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن ، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه . . . " .
وأما الحكمة الثانية : فهى التفكر فى آيات هذا القرآن ، والاتعاظ بها ، والعمل بمقتضاها ، قال - تعالى - :
{ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُواْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ }
والمراد بالناس فى قوله - تعالى - { لتبين للناس } العموم ، ويدخل فيهم المعاصرون لنزول القرآن الكريم دخولا أوليا .
وأسند - سبحانه - التبيين إلى النبى صلى الله عليه وسلم لأنه هو المبلغ عن الله - تعالى - ما أمره بتبليغه .
قال الجمل : " قوله - تعالى - { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ . . } .
يعنى : أنزلنا إليك - يا محمد - الذكر الذى هو القرآن ، وإنما سماه ذكرا ، لأن فيه مواعظ وتنبيها للغافلين ، { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } يعنى ما أجمل إليك من أحكام القرآن ، وبيان الكتاب يطلب من السنة ، والمبين لذلك المجمل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولهذا قال بعضهم : متى وقع تعارض بين القرآن والحديث ، وجب تقديم الحديث ، لأن القرآن مجمل والحديث مبين ، بدلالة هذه الآية ، والمبين مقدم على المجمل " .
وبعد أن ردت السورة الكريمة على ما أثاره المشركون من شبهات حول الدعوة الإِسلامية ، أتبعت ذلك بتهديدهم من سوء عاقبة ما هم فيه من كفر وعصيان وعناد ، فقال - تعالى - : { أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ . . . } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.