تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ} (44)

43

{ بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } .

أي : أرسلنا الرسل رجالا من البشر ، وقد أرسلناهم بالبينات والزبر ، أي : بالمعجزات والكتب التي تحمل الشرائع والعبادات والمعاملات .

{ والزبر } : جمع زبور بمعنى : مزبور أي : مكتوب ، يقال : زبرت الكتاب : من باب نصر وضرب ، أي : كتبته كتابة عظيمة .

قال الفخر الرازي :

{ بالبينات والزبر } . لفظة جامعة لكل ما تتكامل به الرسالة ؛ لأن مدار أمرها على المعجزات ، الدالة على صدق من يدّعي الرسالة وهي البينات ، وعلى التكاليف التي يبلغها الرسول من الله تعالى إلى العباد وهي الزبر . اه .

{ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } . أي : أنزلنا القرآن الكريم عليك يا محمد ، وهو ذكر وشرف وبيان لك ولقومك ، وقد اشتمل القرآن الكريم على الأمور الكلية ، فهو أصل الشريعة وكليّ أمورها ، وفيه إجمال لأمهات الفضائل وأصول التشريع ، والنبي صلى الله عليه وسلم : شارح للقرآن ومبين له ، ومفصل لمجمله ، وموضح لمبهمه . قال صلى الله عليه وسلم : ( ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه ، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن ، فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه . . . )32 .

جاء في تفسير ابن عطية ما يأتي :

وقوله : { لتبين } . يحتمل أن يريد : لتبين بسردك نص القرآن ما نزل ، ويحتمل أن يريد : لتبين بتفسيرك المجمل ، وبشرحك ما أشكل مما نزل ، فيدخل في هذا ما تبينه السنة من أمر الشريعة ، وهذا قول مجاهد33 .

{ ولعلهم يتفكرون } . أي : أنزل الله القرآن الكريم ، والذكر الحكيم ، على النبي الأمين ؛ ليشرح للعباد أمور دينهم ، ويبين لهم ما في كتاب الله تعالى ، ويوضح لهم أهدافه ومراميه ؛ حتى يثير في الناس أسباب التأمل ، والتفكر في آيات القرآن الكريم والاتعاظ بها والعمل بمقتضاها ، قال تعالى : { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب } . ( ص : 29 ) .

وفي كتب علوم الحديث ، نجد بيانا مستفيضا لمنزلة الحديث الشريف ؛ فهو الأصل الثاني من أصول التشريع ، والرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ للناس هذا الكتاب وشارح له ، والكتاب لا يستغني عن بيان الرسول صلى الله عليه وسلم وشرحه ، فقد كان عليه الصلاة والسلام قرآنا متحركا ، يجسد الوحي ، ويشرحه بالقول والعمل والإقرار .

سئلت السيدة عائشة عن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقالت : " كان خلقه القرآن " 34 .

وهذه الآية توضح منزلة السنة ، فهي ضرورية لشرح القرآن ، وتفصيل أحكامه ، قال تعالى : { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ} (44)

43

وقوله - سبحانه - : { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } . بيان للحكم التى من أجلها أنزل الله - تعالى - القرآن على النبى صلى الله عليه وسلم .

أى : وأنزلنا إليك - أيها الرسول الكريم - القرآن ، لتعرف الناس بحقائق وأسرار ما أنزل لهدايتهم فى هذا القرآن من تشريعات وآداب وأحكام ومواعظ ولعلهم بهذا التعريف والتبيين يتفكرون فيما أرشدتهم إليه ، ويعملون بهديك ويقتدون بك فى أقوالك وأفعالك ، وبذلك يفوزون ويسعدون .

فأنت ترى أن الجملة الكريمة قد اشتملت على حكمتين من الحكم التى أنزل الله - تعالى - من أجلها القرآن على النبى صلى الله عليه وسلم .

أما الحكمة الأولى : فهى تفسير ما اشتمل عليه هذا القرآن من آيات خفى معناها على أتباعه ، بأن يوضح لهم صلى الله عليه وسلم ما أجمله القرآن الكريم من أحكام أو يؤكد لهم صلى الله عليه وسلم هذه الأحكام .

ففى الحديث الشريف عن المقدام بن معد يكرب ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " ألا وإنى أوتيت الكتاب ومثله معه ، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن ، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه . . . " .

وأما الحكمة الثانية : فهى التفكر فى آيات هذا القرآن ، والاتعاظ بها ، والعمل بمقتضاها ، قال - تعالى - :

{ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُواْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ }

والمراد بالناس فى قوله - تعالى - { لتبين للناس } العموم ، ويدخل فيهم المعاصرون لنزول القرآن الكريم دخولا أوليا .

وأسند - سبحانه - التبيين إلى النبى صلى الله عليه وسلم لأنه هو المبلغ عن الله - تعالى - ما أمره بتبليغه .

قال الجمل : " قوله - تعالى - { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ . . } .

يعنى : أنزلنا إليك - يا محمد - الذكر الذى هو القرآن ، وإنما سماه ذكرا ، لأن فيه مواعظ وتنبيها للغافلين ، { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } يعنى ما أجمل إليك من أحكام القرآن ، وبيان الكتاب يطلب من السنة ، والمبين لذلك المجمل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولهذا قال بعضهم : متى وقع تعارض بين القرآن والحديث ، وجب تقديم الحديث ، لأن القرآن مجمل والحديث مبين ، بدلالة هذه الآية ، والمبين مقدم على المجمل " .

وبعد أن ردت السورة الكريمة على ما أثاره المشركون من شبهات حول الدعوة الإِسلامية ، أتبعت ذلك بتهديدهم من سوء عاقبة ما هم فيه من كفر وعصيان وعناد ، فقال - تعالى - : { أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ . . . } .