التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَأۡخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} (104)

ثم حرضهم - سبحانه - على التوبة النصوح ، وحثهم على بذل الصدقات فقال : { أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات . . . } .

أى : ألم يعلم هؤلاء التائبون من ذنوبهم ، أن الله - تعالى - وحده ، هو الذي يقبل التوبة الصادقة من عباده المخلصين ، وأنه - سبحانه - هو الذي " يأخذ الصدقات " .

أى : يتقبلها من أصحابها قبول من يأخذ شيئا ليؤدى بدله : فالتعبير بالأخذ للترغيب في بذل الصدقات ، ودفعها للفقراء . والاستفهام للتقرير والتحضيض على تجديد التوبة وبذل الصدقة .

وقوله : { وَأَنَّ الله هُوَ التواب الرحيم } تذييل قصد به تقرير ما قبله وتأكيده .

أى : وأن الله وحده هو الذي يقل توبة المرة بعد الأخرى ، وأنه هو الواسع الرحمة بهم ، الكثير المغفرة لهم :

قال ابن كثير : قوله : { أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات } هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منهما يحط الذنوب ويمحقها ، وأخبر - تعالى - أن كل من تاب إليه تاب عليه ، ومن تصدق بصدقة من كسب حلال فإن الله يتقبلها بيمينه ، فيربيها لصاحبها حتى تصير الثمرة مثل أحد ، كل جاء بذلك الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

فعن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربى أحدكم مهره ، حتى إن اللقمة لتكون مثل أحد " وتصديق ذلك في كتاب الله قوله : { أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات } . وقوله : { يَمْحَقُ الله الربا وَيُرْبِي الصدقات } وعن عبد الله بن مسعود قال : إن الصدقة تقع في يد الله - تعالى - قبل أن تقع في يد السائل ، ثم قرأ هذه الآية . { أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات . . . } .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَأۡخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} (104)

قوله : { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات } الضمير في { يعلموا } عائد إلى الذين تابوا وربطوا أنفسهم . والمعنى : ألم يعلم هؤلاء الذين تابوا وربطوا أنفسهم بالسواري أن الله هو الذي يقبل توبة من تاب من عباده أو يردها فلا يقبلها . . وأنه هو الذي يقبل الصدقة ممن تصدق منهم أو يردها عليه ؟ ألم يعلموا أن ذلك منوط بجلال الله وعظمته . فما عليهم إلا أن يتوجهوا بتوبتهم وصدقتهم وسائر طاعاتهم إلى لله وحده ، فيقصدوا بذلك كله وجهه الكريم دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غيره . فليس النبي صلى الله عليه وسلم إلا واسطة . وفي ذلك أخرج الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكما كما يربي أحدكما مهره ، حتى إن التمرة لتكون مثل أحد ) .

قوله : { وأن الله هو التواب الرحيم } الله جلت قدرته عظيم التؤب ، ورجمته وسعت كل شيء ؛ فهو يقبل التوبة عن التائبين ، ويسع برحمته سائر عباده لنادمين الراجعين إلى جنابه الكريم{[1893]} .


[1893]:تفسير ابن كثر جـ 2 ص 386 وتفسير الطبري جـ 11 ص 15، 16 والبيضاوي ص 267 والكشاف جـ 2 ص 213.