فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{كَلَّا بَلۡ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ} (9)

{ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ( 6 ) الذي خلقك فسواك فعدلك ( 7 ) في أي صورة ما شاء ركبك ( 8 ) كلا بل تكذبون بالدين ( 9 ) وإن عليكم لحافظين ( 10 ) كراما كتابين ( 11 ) يعلمون ما تفعلون ( 12 ) }

نداء من الله تعالى لمن غوى ، ألا يغتر بحلم العلى الأعلى ، الذي خلق فأكمل وسوى وجمّل ، وأبدع وعدّل ، وصوّر ما شاء وكون ، وصنع الأشياء فأتقن ؛ أغرك من مولاك حلمه وفضله ؟ أم خدعك الشيطان وغرتك الأماني ، وهو سبحانه قد ذكر وأنذر وحذر : { يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور . إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير . الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير }{[9568]} لكنهم عموا وصموا ، وزعموا أن لن يبعثوا ؛ { كلا } { . . . وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما علمتم . . }{[9569]} ؛ { بل تكذبون بالدين } لا تصدقون بيوم البعث والحساب والجزاء { وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل بنبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد . أفترى على الله كذبا أم به جنة . . . } ، هكذا زعموا ، فرد الحق عليهم بقوله الحكيم : { . . بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد }{[9570]} ، { وإن عليكم لحافظين ، كراما كاتبين . يعلمون ما تفعلون } وإن عليكم أيها الناس والمكلفون رقباء من الملائكة يحفظون أقوالكم وأفعالكم ، ويكتبون أعمالكم وآثاركم ، وهم كرام على ربكم ، ويدرون ماذا تصنعون في خلواتكم وجلواتكم ، وفي إسراركم وعلانيتكم { أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون . أم يحسبون أنا لا تسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون }{[9571]} فاستحيوا أن يطالعوا منكم سيئة أو قبيحة ، وحاذروا أن يسجلوا عليكم فضيحة ، [ { يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم } أي أي شيء خدعك وجرأك على عصيانه تعالى وارتكاب ما لا يليق بشأنه عز شأنه وقد علمت ما بين يديك ، وما سيظهر من أعمالك عليك ؛ والتعرض لعنوان كرمه تعالى دون قهره سبحانه . . . للإيذان بأنه ليس مما يصلح أن يكون مدارا لاغتراره حسبما يغويه الشيطان ويقول له : افعل ما شئت فإن ربك كريم . . . فكأنه قيل : ما حملك على عصيان ربك الموصوف بما يزجر عنه ويدعو إلى خلافه ؟ ! واختلف في الإنسان المنادي فقيل : الكافر ، وقيل : الأعم الشامل للعصاة ، وهو الوجه ، لعموم اللفظ ، ولوقوعه بين المجمل ومفصله ، أعني { علمت نفس } و{ إن الأبرار } و{ إن الفجار } . . { في أي صورة ما شاء ركبك } أي : ركبك ووضعك في أي صورة اقتضتها مشيئته تعالى وحكمته جل وعلا من الصور المختلفة في الطول والقصر ومراتب الحسن ونحوها . . . وجوز أن تكون شرطية ، و{ شاء } فعل الشرط ، و{ ركبك } جزاؤه ، أي : إن شاء تركيبك في أي صورة غير هذه الصورة ركبك فيها ، والجملة الشرطية في موضع الصفة ل { صورة } والعائد محذوف . . ]{[9572]} .


[9568]:-سورة فاطر. الآيات من 5 -7.
[9569]:- سورة التغابن. من الآية 7.
[9570]:- سورة سبأ. الآيتان 7، 8
[9571]:- سورة الزخرف. الآيتان: 79، 80.
[9572]:- ما بين العارضتين مما أورد الألوسي.