الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{فَلَنَأۡتِيَنَّكَ بِسِحۡرٖ مِّثۡلِهِۦ فَٱجۡعَلۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكَ مَوۡعِدٗا لَّا نُخۡلِفُهُۥ نَحۡنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانٗا سُوٗى} (58)

{ بسحرك يا موسى } { فلنأتينك بسحر مثله } فلنعارضن سحرك بسحر مثله { فاجعل بيننا وبينك موعدا } لمعارضتنا إياك لا نخلف ذلك الموعد { نحن ولا أنت } وأراد بالموعد ها هنا موضعا يتواعدون للاجتماع هناك وهو قوله { مكانا سوى } أي يكون النصف فيما بيننا وبينك

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَلَنَأۡتِيَنَّكَ بِسِحۡرٖ مِّثۡلِهِۦ فَٱجۡعَلۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكَ مَوۡعِدٗا لَّا نُخۡلِفُهُۥ نَحۡنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانٗا سُوٗى} (58)

" فلنأتينك بسحر مثله " أي لنعارضنك بمثل ما جئت به ليتبين للناس أن ما أتيت به ليس من عند الله . " فاجعل بيننا وبينك موعدا " هو مصدر ، أي وعدا . وقيل : الموعد اسم لمكان الوعد ، كما قال تعالى : " وإن جهنم لموعدهم أجمعين{[11100]} " [ الحجر : 43 ] فالموعد ها هنا مكان . وقيل : الموعد اسم لزمان الوعد ؛ كقوله تعالى : " إن موعدهم الصبح " {[11101]} [ هود : 81 ] فالمعنى : اجعل لنا يوما معلوما ، أو مكانا معروفا . قال القشيري : والأظهر أنه مصدر ولهذا قال : " لا نخلفه نحن ولا أنت " أي لا نخلف ذلك الوعد ، والإخلاف أن يعد شيئا ولا ينجزه . وقال الجوهري والميعاد المواعدة والوقت والموضع وكذلك الموعد . وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة والأعرج " لا نخلفه " بالجزم جوابا لقوله " اجعل " ومن رفع فهو نعت ل " موعد " والتقدير . موعدا غير مخلف . " مكانا سوى " قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة " سوى " بضم السين . الباقون بكسرها ، وهما لغتان مثل عُدا وعِدا وطُوى وطِوى . واختار أبو عبيد وأبو حاتم كسر السين لأنها اللغة العالية الفصيحة . وقال النحاس : والكسر أعرف وأشهر . وكلهم نونوا الواو ، وقد روي عن الحسن ، واختلف عنه ضم السين بغير تنوين . واختلف في معناه فقيل : سوى هذا المكان ، قاله الكلبي . وقيل مكانا مستويا يتبين للناس ما بينا فيه ، قاله ابن زيد . ابن عباس : نصفا . مجاهد : منصفا ، وعنه أيضا وقتادة عدلا بيننا بينك . قال النحاس : وأهل التفسير على أن معنى " سوى " نصف وعدل وهو قول حسن ، قال سيبويه يقال : سوى وسوى أي عدل ، يعني مكانا عدل ، بين المكانين فيه النصفة ، وأصله من قولك : جلس في سواء الدار بالمد أي في وسطها ، ووسط كل شيء أعدله ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : " وكذلك جعلناكم أمة وسطا{[11102]} " [ البقرة : 143 ] أي عدلا ، وقال زهير :

أرونَا خُطَّةً لا ضَيْمَ فيها *** يُسَوِّي بيننا فيها السَّوَاءُ

وقال أبو عبيدة والقتبي : وسطا بين الفريقين ، وأنشد أبو عبيدة لموسى بن جابر الحنفي

وإنَّ أبانا كان حَلَّ ببلدة*** سوىً بين قيسٍ قيسِ عَيْلاَنَ والفِزْرِ

والفزر : سعد بن زيد مناة بن تميم . وقال الأخفش : " سوى " إذا كان بمعنى غير أو بمعنى العدل يكون فيه ثلاث لغات : إن ضممت السين أو كسرت قصرت فيهما جميعا . وإن فتحت مددت ، تقول : مكان سوى وسوى وسواء ، أي عدل ووسط فيما بين الفريقين . قال موسى بن جابر :

وجدنا أبانا كان حَلَّ ببلدة

البيت . وقيل : " مكانا سوى " أي قصدا ، وأنشد صاحب هذا القول :

لو تَمَنَّتْ حبيبتي ما عَدَتْنِي*** أو تَمَنَّيْتُ ما عدوتُ سواهَا

وتقول : مررت برجل سواك وسواك وسوائك أي غيرك . وهما في هذا الأمر سواء وإن شئت سواءان . وهم سواء للجمع وهم أسواء ، وهم سواسية مثل ثمانية على غير قياس . وانتصب " مكانا " على المفعول الثاني ل " جعل " . ولا يحسن انتصابه بالموعد على أنه مفعول أو ظرف له ؛ لأن الموعد قد وصف ، والأسماء التي تعمل عمل الأفعال إذا وصفت أو صغرت لم يسغ أن تعمل لخروجها عن شبه الفعل ، ولم يحسن حمله على أنه ظرف وقع موقع المفعول الثاني ؛ لأن الموعد إذا وقع بعده ظرف لم تجره العرب مجرى المصادر مع الظروف ، لكنهم يتسعون فيه كقوله تعالى : " إن موعدهم الصبح " {[11103]} [ هود : 81 ]


[11100]:راجع جـ 10 ص 29 فما بعد.
[11101]:راجع جـ 19 ص 81.
[11102]:راجع جـ 2 ص 153.
[11103]:راجع جـ 9 ص 271.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَلَنَأۡتِيَنَّكَ بِسِحۡرٖ مِّثۡلِهِۦ فَٱجۡعَلۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكَ مَوۡعِدٗا لَّا نُخۡلِفُهُۥ نَحۡنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانٗا سُوٗى} (58)

قوله : ( فلنأتينك بسحر مثله ) أي فلنعارضنك بسحر مثل سحر ؛ لنبين للناس أنك ساحر ، وأن ما أتيتهم به ليس من عند الله ( فاجعل بيننا وبينك موعدا ) أي وعدا . أو يوما نجتمع فيه ( لا نخلفه نحن ولا أنت ) أي لا نخلف ذلك الوعد أو الوقت ( مكانا سوى ) ( مكانا ) ، منصوب على أنه بدل من قوله : ( موعدا ) و ( سوى ) ، بضم السين وكسرها صفة لمكان{[2961]} وهو من الاستواء ؛ أي وسطا عدلا بيننا وبينك ، أو مكانا مستويا يتبين للناس فيه ما نبينه لهم .


[2961]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 143.