{ والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } أي لا توارث بينكم وبينهم ولا ولاية والكافر ولي الكافر دون المسلم { إلا تفعلوه } إلا تعاونوا وتناصروا وتأخذوا في الميراث بما أمرتكم به { تكن فتنة في الأرض } شرك { وفساد كبير } وذلك أن المسلم إذا هجر قريبه الكافر كان ذلك أدعى إلى الاسلام فإن لم يهجره وتوارثه بقي الكافر على كفره
الثالثة - قوله تعالى : " والذين كفروا بعضهم أولياء بعض " قطع الله الولاية بين الكفار والمؤمنين ، فجعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض ، والكفار بعضهم أولياء بعض ، يتناصرون بدينهم ويتعاملون باعتقادهم . قال علماؤنا في الكافرة يكون لها الأخ المسلم : لا يزوجها ، إذ لا ولاية بينهما ، ويزوجها أهل ملتها . فكما لا يزوج المسلمة إلا مسلم فكذلك الكافرة لا يزوجها إلا كافر قريب لها ، أو أسقف ، ولو من مسلم ، إلا أن تكون معتقة ، فإن عقد على غير المعتقة فسخ إن كان لمسلم ، ولا يعرض للنصراني . وقال أصبغ : لا يفسخ ، عقد المسلم أولى وأفضل .
الرابعة - قوله تعالى : " إلا تفعلوه " الضمير عائد على الموارثة والتزامها . المعنى : إلا تتركوهم يتوارثون كما كانوا يتوارثون ، قاله ابن زيد . وقيل : هي عائدة على التناصر والمؤازرة والمعاونة واتصال الأيدي . ابن جريج وغيره : وهذا إن لم يفعل تقع الفتنة عنه عن قريب ، فهو أكد من الأول . وذكر الترمذي عن عبد الله بن مسلم بن هرمز عن محمد وسعد ابني عبيد عن أبي حاتم المزني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) . قالوا : يا رسول الله ، وإن كان فيه ؟ قال : ( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ) ثلاث مرات . قال : حديث غريب . وقيل : يعود على حفظ العهد والميثاق الذي تضمنه قوله : " إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق " . وهذا وإن لم يفعل فهو الفتنة نفسها . وقيل : يعود على النصر للمسلمين في الدين . وهو معنى القول الثاني . قال ابن إسحاق : جعل الله المهاجرين والأنصار أهل ولايته في الدين دون من سواهم ، وجعل الكافرين بعضهم أولياء بعض . ثم قال : " إلا تفعلوه " وهو أن يتولى المؤمن الكافر دون المؤمنين . " تكن فتنة " أي محنة بالحرب ، وما أنجر معها من الغارات والجلاء والأسر . والفساد الكبير : ظهور الشرك . قال الكسائي : ويجوز النصب في قوله : " تكن فتنة " على معنى تكن فعلتكم فتنة وفسادا كبيرا .
قوله : { والذين كفروا بعضهم أولياء بضع } أي أن الكافرين بعضهم أعوان بعض وأنصاره . وبعضهم أحق ببعض من المسلمين . فبعضهم أحق ببعض في النصرة والعون وفي الميراث ، هم أحق ببعضهم في ذلك من قرابتهم من المسلمين . وبذلك قطع الله الولاية بين الكفار والمؤمنين فجعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض ، والكفار بعضهم أولياء بعض ، يتناصرون بدينهم ويتعاملون تبعا لملتهم . وعلى هذا لا يكون مؤمنا من كان مقيما بدار الحرب ولم يهاجر . وقد ذكر أن الرجل كان ينزل بين المسلمين والمشركين ، يقول إن ظهر هؤلاء كنت معهم . وإن ظهر هؤلاء كنت معهم ، فأبى الله عليهم ذلك . وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين ) ثم قال : ( لا يتراءى نارهما ) ، وأخرج أبو داود عن حبيب بن سليمان بن سمرة بن جندب قال : ما بعد ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من جامع المشرك وسكن معه فغنه مثله ) .
وفي انقطاع الولاية بمعنى الميراث ، بين المسلم والكفار أخرج الحاكم في مستدركه عن أسامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يتوارث أهل ملتين ، ولا يرث مسلم كافرا ، ولا كافرا مسلم ) ثم قرأ : { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير } . وفي المسند والسنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يتوارث أهل ملتين شتى ) .
قوله : { إلا تفعلوه تكن فتنة في ارض وفساد كبير } { تكن } ، تامة بمعنى : تقع . وهي لا تفتقر إلى خبر . وفتنة مرفوعة به ارتفاع الفاعل بفعله{[1702]} . يعني إذا لم تفعلوا ما أمرتكم بع من التعاون بينكم ، والنصرة على الدين { تكن فتنة في الأرض وفساد كبير } والمراد بالفتنة هنا ، اختلاط المسلمين بالكافرين في الوقت الذي يكون فيه البأس والشوكة للكفر والكافرين ، لا جرم أن ذلك سبب كبير وجد خطير يفضي في الغالب بالمسلمين تحت سطوة الشرك أن يصيروا مشركين ، أو يتبدل فيهم كثير من سمات الإسلام بقيمه وأخلاقه وخصاله ؛ فيكونوا نظراء الكافرين أنفسهم . وذلك هو شأن المسلم الذي يستظل بظل الكفر والكافرين إذا لم يجد لنفسه من حوله من صحبة المسلمين من يؤنسه ويذكره بأمور دينه ، فلسوف تجتاحه محاذير التفكك والانحلال من ربقة الإسلام شيئا فشيئا . وتلكم فتنة كبيرة . وذلكم فساد عريض . لكن المسلم إذا بات في بلده وأهله غير آمن على نفسه من عدوان الظالمين المتسلطين من حكام المسلمين . الحكام الطغاة المجرمين الذين يسوسون المسلمين بالقهر والقسر والطغيان ، ويحكمون بغير ما أنزل الله ؛ فلا حرج عليه عندئذ وفي مثل هذا الظرف العجيب الغريب الذي يهجر فيه المسلم بلده ليأوي إلى ديار الكافرين حيث الأمن والاستقرار . والمسلم في ذلك إنما يختار لنفسه أهون الضررين{[1703]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.