اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{ذَٰلِكَ نَتۡلُوهُ عَلَيۡكَ مِنَ ٱلۡأٓيَٰتِ وَٱلذِّكۡرِ ٱلۡحَكِيمِ} (58)

قوله : { ذلِكَ نَتْلُوهُ } يجوز أن يكون " ذَلِكَ " مبتدأ ، " نَتْلُوهُ " الخبر " مِنَ الآيَاتِ " حال أو خبر بعد خبر .

ويجوز أن يكون " ذَلِكَ " منصوباً بفعل مقدَّر يفسِّره ما بعده - فالمسألة من باب الاشتغال - و " مِنَ الآيَاتِ " حال ، أو خبر مبتدأ مُضمَرٍ

[ أي : هو من الآيات ، ولكنّ الأحسن الرفعُ بالابتداء ؛ لأنه لا يحوج إلى إضمار ، وعندهم " زيد ضربته " أحسن من " زيداً ضربته " ، ويجوز أن يكون ذلك خبر مبتدأ مضمر ] {[5532]} ، يعني الأمر ذلك ، و " نَتْلُوهُ " على هذا حال من اسم الإشارة ، و { مِنَ الآيَاتِ } حال من مفعول

" نَتْلُوهُ " .

ويجوز أن يكون " ذَلِكَ " موصولاً بمعنى " الذي " و " نَتْلُوهُ " صلة وعائد ، وهو مبتدأ خبره الجار بعده أي : الذي نتلوه عليك كائن من الآيات ، أي : المعجزات الدالة على نبوتك . جوَّز ذلك الزَّجَّاجُ وتبعه الزمخشريُّ ، وهذا مذهب الكوفيين .

أما البصريون فلا يُجيزُون أن يكون اسماً من أسماء الإشارة موصولاً إلا " ذَا " خاصةً ، بشروطٍ تقدم ذكرها ؛ ويجوز أن يكون " ذلك " مبتدأ ،

و " مِنَ الآيَاتِ " خبره ، و " نَتْلُوهُ " جملة في موضع نصب على الحال ، والعامل معنى اسم الإشارة .

قوله : " نَتْلُوهُ " فيه وجهان :

أحدهما : أنه وإن كان مضارعاً لفظاً فهو ماضٍ معنًى ، أي : الذي قدمناه من قصة عيسى وما جرى له تلوناه عليك ، كقوله : { وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ } [ البقرة : 102 ] .

والثاني : أنه على بابه ؛ لأن الكلام لم يتم ، ولم يفرغ من قصة عيسى - عليه السلام - إذْ بقي منها بقية .

و " من " فيها وجهانِ :

أظهرهما : أنها تبعيضية ؛ لأن المَتلُوَّ عليه - من قصة عيسى - بعض معجزاته وبعض القرآن وهذا أوْجَهُ وأوضحُ . والمرادُ بالآيات - على هذا - العلامات الدالة على نبوتك .

والثاني : أنها لبيان الجنسِ ، وإليه ذهب ابنُ عَطِيَّةَ وبَدَأ به .

قال أبو حيّان : وَلاَ يَتأتَّى ذلك من جهة المعنى إلا بمجاز ؛ لأن تقدير " من " البيانية بالموصول ليس بظاهر ؛ إذ لو قلتَ : ذلك تتلوه عليك الذي هو الآيات والذكر الحكيم لاحتجت إلى تأويل ، وهو أن تجعل بعض الآيات والذكر آياتٍ وذكراً [ على سبيل المجاز ]{[5533]} .

والحكيمُ : صيغة مبالغة محول من " فاعل " . ووصف الكتاب بذلك مجازاً ؛ لأن هذه الصفة الحقيقية لمنزِّله والمتكلم به ، فوصف بصفة من هو من سببه - وهو الباري تبارك وتعالى - أو لأنه ناطق بالحكمة أو لأنه أحْكِم في نظمه . وجوزوا أن تكون بمعنى " مُفْعَل " أي : مُحْكَم ، كقوله :

{ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ } [ هود : 1 ] إلا أن " فعيل " بمعنى " مُفْعَل " قليل ، قد جاءت منه أليْفَاظ ، قالوا : عقدت العسل فهو عقيد ومعقد وحبست الفرس [ في سبيل الله ] {[5534]} فهو حبيس ومُحْبَس . وفي قوله : " نَتْلُوه " التفات من غيبة إلى تكلُّم ؛ لأنه قد تقدمه اسم ظاهر - وهو قوله : { وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } - كذا قاله أبو حيّان ، وفيه نظرٌ ؛ إذ يُحْتَمل أن يكون قوله : { وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } جِيء به اعتراضاً بَيْنَ أبعاض هذه القصَّةِ .

فصل

التلاوة والقصص واحد ؛ لأن معناهما يرجع إلى شيء يُذْكَر بعضُه على أثَر بعض ثم إنه تعالى أضاف القصص إلى نفسه فقال : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ } [ يوسف : 3 ] كما أضاف التلاوة إلى نفسه في قوله : { نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى } [ القصص : 3 ] ، وذلك يدل على تشريف الملك وتعظيمه ؛ لأن التالي على النبي إنما هو الملك ، فَجَعلَ تِلاَوَةَ الْمَلَكِ جَارِيَةً مَجْرَى تِلاَوَتِهِ .

والمراد بالذكر الحكيم هو القرآن .

وقيل : هُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ الَّذي مِنْهُ نُقِلَت الْكُتُبُ المنزلةُ على الأنبياء - عليهم السلام - أخبر - تعالى - أنَّهُ أنزلَ هذه القَصصَ مما كُتِبَ هنالك .


[5532]:سقط في ب.
[5533]:في أ: وهو مجاز.
[5534]:سقط في ب.