قوله تعالى { إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين }
المسألة الأولى : تقدير الآية : اذكر { إذ قال يوسف } قال صاحب «الكشاف » : الصحيح أنه اسم عبراني ، لأنه لو كان عربيا لانصرف لخلوه عن سبب آخر سوى التعريف ، وقرأ بعضهم { يوسف } بكسر السين { ويوسف } بفتحها . وأيضا روى في يونس هذه اللغات الثلاث ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا قيل من الكريم فقولوا الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السلام "
المسألة الثانية : قرأ ابن عامر { يا أبت } بفتح التاء في جميع القرآن ، والباقون بكسر التاء . أما الفتح فوجهه أنه كان في الأصل يا أبتاه على سبيل الندبة ، فحذفت الألف والهاء . وأما الكسر فأصله يا أبي ، فحذفت الياء واكتفى بالكسرة عنها ثم أدخل هاء الوقف فقال : { يا أبت } ثم كثر استعماله حتى صار كأنه من نفس الكلمة فأدخلوا عليه الإضافة ، وهذا قول ثعلب وابن الأنباري .
واعلم أن النحويين طولوا في هذه المسألة ، ومن أراد كلامهم فليطالع «كتبهم » .
المسألة الثالثة : أن يوسف عليه السلام رأى في المنام أن أحد عشر كوكبا والشمس والقمر سجدت له ، وكان له أحد عشر نفرا من الأخوة ، ففسر الكواكب بالأخوة ، والشمس والقمر بالأب والأم ، والسجود بتواضعهم له ودخولهم تحت أمره ، وإنما حملنا قوله : { لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا } على الرؤيا لوجهين : الأول : أن الكواكب لا تسجد في الحقيقة ، فوجب حمل هذا الكلام على الرؤيا . والثاني : قول يعقوب عليه السلام : { لا تقصص رؤياك على إخوتك } وفي الآية سؤالات :
السؤال الأول : قوله : { رأيتهم لي ساجدين } فقوله : { ساجدين } لا يليق إلا بالعقلاء ، والكواكب جمادات ، فكيف جازت اللفظة المخصوصة بالعقلاء في حق الجمادات .
قلنا : إن جماعة من الفلاسفة الذين يزعمون أن الكواكب أحياء ناطقة احتجوا بهذه الآية ، وكذلك احتجوا بقوله تعالى : { وكل في فلك يسبحون } والجمع بالواو والنون مختص بالعقلاء . وقال الواحدي : إنه تعالى لما وصفها بالسجود صارت كأنها تعقل ، فأخبر عنها كما يخبر عمن يعقل كما قال في صفة الأصنام { وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } وكما في قوله : { يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم } .
السؤال الثاني : قال : { إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر } ثم أعاد لفظ الرؤيا مرة ثانية ، وقال : { رأيتهم لي ساجدين } فما الفائدة في هذا التكرير ؟
الجواب : قال القفال رحمه الله : ذكر الرؤية الأولى لتدل على أنه شاهد الكواكب والشمس والقمر ، والثانية لتدل على مشاهدة كونها ساجدة له ، وقال بعضهم : إنه لما قال : { إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر } فكأنه قيل له : كيف رأيت ؟ فقال : رأيتهم لي ساجدين ، وقال آخرون : يجوز أن يكون أحدهما من الرؤية والآخر من الرؤيا ، وهذا القائل لم يبين أن أيهما يحمل على الرؤية وأيهما الرؤيا فذكر قولا مجملا غير مبين .
السؤال الثالث : لم أخر الشمس والقمر ؟
قلنا : أخرهما لفضلهما على الكواكب ، لأن التخصيص بالذكر يدل على مزيد الشرف كما في قوله : { وملائكته ورسله وجبريل وميكال } .
السؤال الرابع : المراد بالسجود نفس السجود أو التواضع كما في قوله :
قلنا : كلاهما محتمل ، والأصل في الكلام حمله على حقيقته ولا مانع أن يرى في المنام أن الشمس والقمر والكواكب سجدت له .
السؤال الخامس : متى رأى يوسف عليه السلام هذه الرؤيا ؟
قلنا : لا شك أنه رآها حال الصغر ، فأما ذلك الزمان بعينه فلا يعلم إلا بالأخبار . قال وهب : رأى يوسف عليه السلام وهو ابن سبع سنين أن إحدى عشرة عصا طوالا كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة . وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى ابتلعتها فذكر ذلك لأبيه فقال إياك أن تذكر هذا لأخوتك ثم رأى وهو ابن ثنتي عشرة سنة الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال لا تذكرها لهم فيكيدوا لك كيدا . وقيل : كان بين رؤيا يوسف ومصير أخوته إليه أربعون سنة وقيل : ثمانون سنة .
واعلم أن الحكماء يقولون إن الرؤيا الرديئة يظهر تعبيرها عن قريب ، والرؤيا الجيدة إنما يظهر تعبيرها بعد حين . قالوا : والسبب في ذلك أن رحمة الله تقتضي أن لا يحصل الإعلام بوصول الشر إلا عند قرب وصوله حتى يكون الحزن والغم أقل ، وأما الإعلام بالخير فإنه يحصل متقدما على ظهوره بزمان طويل حتى تكون البهجة الحاصلة بسبب توقع حصول ذلك الخير أكثر وأتم .
السؤال السادس : قال بعضهم : المراد من الشمس والقمر أبوه وخالته فما السبب فيه ؟
قلنا : إنما قالوا ذلك من حيث ورد في الخبر أن والدته توفيت وما دخلت عليه حال ما كان بمصر قالوا : ولو كان المراد من الشمس والقمر أباه وأمه لما ماتت لأن رؤيا الأنبياء عليهم السلام لا بد وأن تكون وحيا وهذه الحجة غير قوية لأن يوسف عليه السلام ما كان في ذلك الوقت من الأنبياء .
السؤال السابع : وما تلك الكواكب ؟
قلنا : روى صاحب «الكشاف » أن يهوديا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل جبريل عليه السلام وأخبره بذلك فقال عليه الصلاة والسلام لليهودي : " إن أخبرتك هل تسلم " قال نعم قال : " جربان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين رآها يوسف والشمس والقمر نزلت من السماء وسجدت له " فقال اليهودي : أي والله إنها لأسماؤها .
واعلم أن كثيرا من هذه الأسماء غير مذكور في الكتب المصنفة في صورة الكواكب والله أعلم بحقيقة الحال .
{ إِذْ قَالَ يُوسُفُ } نصب بإضمار اذكر بناءاً على تصرفها ، وذكر الوقت كناية عن ذكر ما حدث فيه والكلام شروع في إنجاز ما وعد سبحانه ، وحكى مكى أن العامل في { إِذْ } { الغافلين } [ يوسف : 3 ]
وقال ابن عطية : يجوز أن يكون العامل فيها { نَقُصُّ } [ يوسف : 3 ] ، وروي ذلك عن الزجاج على معنى نقص عليك الحال { إِذْ } الخ . وهي للوقت المطلق المجرد عن اعتبار المضي ، وفي كلا الوجهين ما فيه .
واستظهر أبو حيان بقاءها على معناها الأصلي وأن العامل فيها { قَالَ يا بنِى } [ يوسف : 5 ] كما تقول : إذ قام زيد قام عمرو ، ولا يخلو عن بعد ، وجوز الزمخشري كونها بدلاً من { أحسن القصص } [ يوسف : 3 ] على تقدير جعله مفعولاً به وهو بدل اشتمال ، وأورد أنه إذا كان بدلاً من المفعول يكون الوقت مقصوصاً ولا معنى له ، وأجيب بأن المراد لازمة وهو اقتصاص قول يوسف عليه السلام فإن اقتصاص وقت القول ملزوم لاقتصاص القول .
واعترض بأنه يكون بدل بعض أو كل لا اشتمال ، وأجيب بأنه إنما يلزم ما ذكر لو كان الوقت بمعنى القول وهو إما عين المقصوص أو بعضه ، أما لو بقي على معناه وجعل مقصوصاً باعتبار ما فيه فلا يرد الاعتراض .
هذا ولم يجوزوا البدلية على تقدير نصب { أَحْسَنَ القصص } على المصدرية ، وعللك ذلك بعدم صحة المعنى حينئذ وبقيام المانع عربية ، أما الأول فلأن المقصوص في ذلك الوقت لا الاقتصاص . وأما الثاني فلأن أحسن الاقتصاص مصدر فلو كان الظرف بدلاً وهو المقصود بالنسبة لكان مصدراً أيضاً وهو غير جائز لعدم صحة تأويله بالفعل ، وأورد على هذا أن المصدر كما يكون ظرفاً نحو أتيتك طلوع الشمس يكون الظرف أيضاً مصدراً ومفعولاً مطلقاً لسدّه مسدّ المصدر كما فيقوله :
فإنهم صرحوا كما في التسهيل وشروحه أن ليلة مفعول مطلق أي اغتماض ليلة ، وما ذكر من حديث التأويل بالفعل فهو من الأوهام الفارغة ، نعم إذا ناب عن المصدر ففي كونه بد اشتمال شبهة وهو شيء آخر غير ما ذكر ، وعلى الأول أنه وإن لم يشتمل الوقت على الاقتصاص فهو مشتمل على المقصوص فلم لم يتجز البدلية بهذه الملابسة ؟ ورد بأن مثل هذه الملابسة لا تصحح البدلية ، ونقل عن الرضى أن الاشتمال ليس كاشتمال الظرف على المظروف بل كونه دالاً عليه إجمالاً ومتقاضياً له بوجه مّا بحيث تبقى النفس عند ذكر الأول متشوقة إلى الثاني منتظرة له فيجيء الثاني مبيناً لما أجمل فيه فإن لم يكن كذلك يكن بدل غلط وعلى هذا يقال في عدم صحة البدلية : إن النفس إنما تتشوق لذكر وقت الشيء لا لذكر وقت لازمه ووقت القول ليس وقتاً للاقتصاص ، و { يُوسُفَ } علم أعجمي لا عربي مشتق من الأسف وسمي به لأسف أبيه عليه ، أو أسفه على أبيه .
أو أسف من يراه على مفارقته لمزيد حسنه كما قيل ، وإلا لا نصرف لأنه ليس فيه غير العلمية ولا يتوهمن أن فيه وزن الفعل أيضاً إذ ليس لنا فعل مضارع مضموم الأول . والثالث ، وكذا يقال في يونس ، وقرىء بفتح السين وكسرها على ما هو الشائع في الأسماء الأعجمية من التغيير لا على أنه مضارع بني للمفعول أو للفاعل من آسف لأن القراءة المشهورة شهدت بعجميته ولا يجوز أن يكون أعجمياً وغير أعجمي قاله غير واحد لكن في الصحاح أن يعفر ولد الأسود الشاعر إذا قلته بفتح الياء لم تصرفه لأنه مثل يقتل .
وقال يونس : سمعت رؤبة يقول : أسود بن يعفر بضم الياء وهذا ينصرف لأنه قد زال عنه شبه الفعل ا ه .
وصرحوا بأن هذا مذهب سيبويه ، وأن الأحفش خالفه فمنه صرفه لعروض الضم للاتباع ، وعلى هذا يحتمل أن يقال : إنه عربي ومنع من الصرف على قراءة الفتح والكسر للعلمية ووزن الفعل ، وكذا على قراءة الضم بناءاً على ما يقوله الأخفش ويلتزم كون ضم ثالثه اتباعاً لضم أوله ، وأجيب بأنه لو كان عربياً لوقع فيه الخلاف كما وقع في يعفر ، والظاهر أن أعجميته متحققة عندهم ولذا التزموا منعه من الصرف لها وللعلمية ولا التفات لذلك الاحتمال .
وقرأ طلحة بن مصرف يؤسف بالهمز وفتح السين ، وقد جاء فيه الضم والكسر مع الهمز أيضاً فيكون فيه ست لغات { لاِبِيهِ } يعقوب بن إسحق بن إبراهيم ، وفي الصحيح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم » .
نسب كأن عليه من شمس الضحى *** توراً ومن ضوء الصباح عموداً
{ ياأبت } أصلح يا أبي فعوض عن الياء تاء التأنيث لتناسبهما في كون كل منهما من حروف الزيادة ويضم إلى الإسم في آخره ولهذا قلبها هاءاً في الوقف ابن كثير . وابن عامر ، وخالف الباقون فأبقوها تاءاً في الوقف وكسرت لأنها عوض عن الياء التي هي أخت الكسرة فحركت بحركة تناسب أصلها لا لتدل على الياء ليكون ذلك كالجمع بين عوضين أو بين العوض والمعوض ، وجعل الزمخشري هذه الكسرة كسرة الياء زحلقت إلى التاء لما فتح ما قبلها للروم فتح ما قبل تاء التأنيث ، وقرأ ابن عامر . وأبو جعفر( {[331]} ) . والاعرج بفتحها لأن أصلها وهو الياء إذا حرك حرك بالفتح ، وقيل : لأن أصل { *يا أبت } يا أبتا بأن قلبت الياء ألفاً ثم حذفت وأبقيت فتحتها دليلاً عليها ، وتعقب بأن يا أبتا ضعيف( {[332]} ) كيا أبتي حتى قيل : إنه يحتص بالضرورة كقوله :
يا أبتا علك أو عساكا *** وقال الفراء . وأبو عبيدة : وأبو حاتم : إن الألف المحذوفة من يا أبتا للندبة ، ورد بأن الموضع ليس موض ندبة ، وعن قطرب أن الأصل يا أبة بالتنوين فحذف والنداء باب حذف ، ورد بأن التنوين لا يحذف من المنادي المنصوب نحو يا ضاربا رجلاً ، وقرىء بضم التاء إجراءاً لها مجرى الأسماء المؤنثة بالتاء من غير اعتبار التعويض ، وأنت تعلم أن ضم المنادي المضاف شاذ وإنما لم تسكن مع الباء التي وقعت هي عوضاً عنها تسكن لأنها حرف صحيح منزل منزلة الاسم فيجب تحريكها ككاف الخطاب .
وزعم بعضهم أن الياء أبدلت تاءاً لأنها تدل على المبالغة والتعظيم في نحو علامة . ونسابة ، والأب . والأم مظنة التعظيم فعلى هذا لا حذف ولا تعويض ، والتاء حينئد اسم ، فقد صرحوا أن الاسم إذا كان على حرف واحد وأبدل لا يخرج عن الاسمية ، وقال الكوفيون : إن التاء لمجرد التأنيث وياء الإضافة مقدرة ، ويأباه عدم سماع يا بتي في السعة ، وكذا سماع فتحها على ما قيل ، وتعقب بأن تاء لات للتأنيث عند الجمهور وكذا تاء ربت . وثمت وهي مفتوحة { لاِبِيهِ يا أبت إِنّى رَأَيْتُ } أي في المنام كما يقتضيه كلام ابن عباس . وغيره ، وكذا قوله سبحانه : { لا تَقْصُصْ رُءيَاكَ } [ يوسف : 5 ] و { هذا } [ يوسف : 100 ] تأويل رؤياي ، فإن مصدر رأى الحلمية الرؤيا ومصدر البصرية الرؤية في المشهور ، ولذا خطىء المتنبي في قوله :
ورؤياك أحلى في العيون من الغمض *** وذهب السهيلي . وبعض اللغويين إلى أن الرؤيا سمعت من العرب بمعنى الرؤيا ليلاً ومطلقاً ، واستدل بعضهم لكون رأى حلمية بأن ذلك لو وقع يقظة وهو أمر خارق للعادة لشاع وعد مجعزة ليعقوب عليه السلام أو إرهاصاً ليوسف عليه السلام ، وأجيب بأنه يجوز أن يكون في زمان يسير من الليل والناس غافلون ، والحق أنها حلمية ، ومثل هذا الاحتمال مما لا يلتفت إليه .
وقرأ أبو جعفر { إِنّى }( {[333]} ) بفتح الياء { أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا } وهي جربان . والطارق . والذيال . وقابس . وعمودان . والفيلق . والمصبح . والفزع . ووثاب . وذو الكتفين . والضروج ، فقد روي عن جابر أن سناناً اليهودي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أخبرني يا محمد عن النجوم التي رآهن يوسف فسكت فنزل جبريل عليه السلام فأخبره بذلك فقال عليه الصلاة والسلام : هل أنت مؤمن إن أخبرتك ؟ قال : نعم فعد صلى الله عليه وسلم ما ذكر فقال اليهودي : أي والله إنها لأسماؤها .
وأخرج السهيلي عن الحرث بن أبي أسامة نحو ذلك إلا أنه ذكر النطح بدل المصبح ، وأخرج الخبر الأول جماعة من المفسرين . وأهل الأخبار وصححه الحاكم ، وقال : إنه على شرط مسلم ، وقال أبو زرعة .
وابن الجوزي : إنه منكر موضوع .
وقرأ الحسن . وطلحة بن سليمان . وغيرهما { أَحَدَ عَشَرَ } بسكون العين لتاولي الحركات وليظهر جعل الاسمين إسماً واحداً { والشمس والقمر } عطف على ما قبل .
وزعم بعضهم أن الواو للمعية وليس بذاك وتخصيصهما بالذكر وعدم الاندراج في عموم الكواكب لاختصاصهما بالشرف وتأخيرهما لأن سجودهما أبلغ وأعلى كعباً فهو من باب لا يعرفه فلان ولا أهل بلده ، وتقديم الشمس على القمر لما جرت عليه عادة القرآن إذا جمع الشمس والقمر ، وكان ذلك إما لكونها أعظم جرماً وأسطع نوراً وأكثر نفعاً من القمر وإما لكونها أعلى مكاناً منه وكون فلكها أبسط من فلكه على ما زعمه أهل الهيئة وكثير من غيرهم ، وإما لأنها مفيضة النور عليه كما ادعاه غير واحد ، واستأنس له بقوله سبحانه : { هُوَ الذى جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُوراً } [ يونس : 5 ] وإنما أورد الكلام على هذا الأسلوب ولم يطو ذكر العدد لأن المقصود الأصلي أن يتطابق المنام ومن هو في شأنهم وبترك العدد يفوت ذلك { رَأَيْتُهُمْ لِى * ساجدين } استظهر في البحر أن { رَأَيْتَهُمْ } تأكيد لما تقدم تطرية للعهد كما في قوله تعالى : { أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وعظاما أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ } [ المؤمنون : 35 ] واختار الزمخشري التأسيس وأن الكلام جواب سؤال مقدر كأن يعقوب عليه السلام قال له عند قوله : { رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشمس والقمر } كيف رأيتها ؟ سائلاً عن حال رؤيتها فقال : { رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ } وكأنه لا يرى أن رأي الحلمية مما تتعدى إلى مفعولين كالعلمية ليلتزم كون المفعول الثاني للفعل الأول محذوفاً ، ويرى أنه تتعدى لواحد كالبصرية فلا حذف ، و { ساجدين } حال عنده كما يشير إليه كلامه ، والمشهور عند الجمهور أنه تتعدى إلى مفعولين ولا يحذف ثانيهما اقتصاراً .
وجوز أن يكون مذهبه القول بالتعدي إلى ما ذكر إلا أنه يقول بجواز ما منعوه من الحذف ، وأنت تعلم أن استظهره في البحر سالم عن المخالفة والنظرية أمر معهود في الكتاب الجليل( {[334]} ) وإنما أجريت هذه المتعاطفات مجرى العقلاء في الضمير جمع الصفة لوصفها بصفة العقلاء أعني السجود سواء كان المراد منه التواضع أو السجود الحقيقي وءعطاء الشيء الملابس لآخر من بعض الوجوه حكماً من أحكامه إظهاراً لأثر الملابسة والمقاربة شائع في الكلام القديم والحديث ، وفي الكلام على ما قيل : استعارة مكنية بتشبيه المذكورات بقوم عقلاء ساجدين والضمير والسجود قرينة أو أحدهما قرينة تخييلية والآخر ترشيح .
وذهب جماعة من الفرسفة إلى أن الكواكب أحياء ناطقة ، واستدل لهم بهذه الآية ونظائرها وكثير من ظواهر الكتاب والسنة يشهد لهم ، وليس في القول بذلك إنكار ما هو من ضروريات الدين ، وتقديم الجار والمجرور لإظهار العناية والاهتمام مع ما في ضمنه على ما قيل : من رعاية الفواصل ، وكانت هذه الرؤية فيما قيل : ليلة الجمعة ، وأخرج أبو الشيخ عن ابن منبه أنها كانت ليلة القدر ، ولعله لا منافاة لظهور إمكان كون ليلة واحدة ليلة القدر وليلة الجمعة ، واستشكل كونها في ليلة القدر بأنها من خواص هذه الأمة ، وأجيب بأن ما هو من الخواص تضعيف ثواب العمل فيها إلى ما قص الله سبحانه وكان عمره عليه السلام حين رأى ذلك اثنتي عشرة سنة فيما يروى عن وهب .
وقيل : سبع عشرة سنة ، وكان قد رأى قبل وهو ابن سبع سنين أن إحدى عشرة عصا طوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة وإذا عصا صغيرة تثب عليها حتى اقتلعتها وغلبتها فوصف ذلك لأبيع فقال : إياك أن تذكر هذا لاخوتك ، وتعبير هذه العصى لاحدى عشرة هو بعينه تعبيراً لاحد عشر كوكباً فإن كلا منهما إشارة إ لى إخوته ، وليس في الرؤيا الأولى ما يشير إليه الشمس والقمر في الرؤية الثانية ، ولا ضرورة إلى التزام القول باتحاد المنامين بأن يقال : إنه عليه السلام رأى في كل أحد عشر شيثاً إلا أن ذلك في الأول عصى وفي الثاني كواكب ، ويكون عطف الشمس والقمر على ما قبله من قبيل عطف ميكائيل وجبريل عليهما السلام على الملائكة كما يوهمه كلام بعضهم ، وعبرت الشمس بأبيه . والقمر بأمه اعتباءاً للمكان والمكانة .
وروي ذلك عن قتادة . وعن السدى أن القمر خالته لأن أمه راحيل قد ماتت ، والقول : بأن الله تعالى أحياها بعد لتصديق رؤياه لا يخفى حاله ، وعن ابن جريج أن الشمس أمّه . والقمر أبوه وهو اعتبار للتأنيث والتذكير ، وقد تعبر الشمس بالملك . وبالذهب . وبالزوجة الجميلة ، والقمر بالأمير ، والكواكب بالرؤساء وكذا بالعلماء أيضاً .
وعن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أن رؤية القمر تؤوّل على أحد سبعة عشر وجهاً ، ملك . أو وزير أو نديم الملك . أو رئيس . أو شريف . أو جارية . أو غلام . أو أمر باطل . أو وال . أو عالم مفسد . أو رجل معظم . أو والد . أو والدة . أو زوجة . أو بعل لها . أو ولد . أو عظمة ، ولعل ذلك مبني على اختلاف الرائي وكيفية الرؤية ، وزعم بعضهم أنه عليه السلام لم يكن رأى الكواكب ولا الشمس والقمر وإنما رأى إخوته وأبويه إلا أنه عبر عنهم بذلك على طريقة الاستعارة التصريحة وهو خلاف الظاهر جداً وكياد يعدّ من كلام النائم ، ويؤيد ظاهر ما نقله كثير من المفسرين أنه عليه السلام رأى الكواكب والشمس والقمر قد نزلت فسجدت له فقص ذلك على أبيه .
( ومن باب الإشارة ) :{ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأبيه ياأبت إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ } [ يوسف : 4 ] هذه أول مبادىء الكشوف فقد ذكروا أن أحوال المكاشفين أوائلها المنامات فإذا قوي الحال تصير الرؤيا كشفاً ، قيل : إنه عليه السلام قد سلك به نحواً مما سلك برسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنه بدىء بالرؤيا الصادقة كما بدىء رسول الله صلى الله عليه وسلم بها فكانلا يرى رؤيا إلا كانت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء على ما يشير إليه قوله : { رَبّ السجن أَحَبُّ إِلَىَّ } [ يوسف : 33 ] كما حبب ذلك إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فكان يتحنث في غار حراء الليالي ذوات العدد ، وفيه أن حديث السجن بعد إيتاء النبوة فتدبر .
وذكر بعض الكبار أن يوسف عليه السلام كان آدم الثاني لما كان عليه من كسوة الربوبية ما كان على آدم عليه السلام وهو مجلي الحق للخلق لو يعلمون فلما رأت الملائكة ما رأت من آدم سجدوا له وههنا سجد ليوسف من سجد وهم الشمس والقمر والكواكب المعدودة المشار بهم إلى أبويه وإخوته الذين هم على القول بنبوتهم خير من الملائكة عليهم السلام ، ولا بدع إذ سجدوا لمن يتلألأ من وجهه الأنوار القدسية والأشعة السبوحية :
لو يسمعون كما سمعت حديثها *** خروا لعزة ركعاً وسجودا
وقد يقال : إن إبراهيم عليه السلام لما رأى في وجنة الكوكب ونقطة خال القمر وأسرة جبين الشمس أمارات الحدثان وصرف وجهه عنها متوجهاً إلى ساحة القدم المنزهة عن التغير المصونة عما يوجب النقص قائلاً : { إِنّي بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ } [ الأنعام : 78 ] أسجد الله تعالى الشمس والقمر واسجد بدل الكواكب كواكب لبعض بنيه إعظاماً لأمره ومبالغة في تنزيه جلال الكبرياء ، وحيث تأخرت البراءة إلى الثالث تأخر أمر الإسجاد إلى ثالث البنين ، وليس المقصود من هذا إلا بيان بعض من أسرار تخصيص المذكور بالإراءة مع احتمال أن يكون هناك ما يصلح أن يكون رؤياه ساجداً معبراً بسجود أبويه وإخوته له عليهم السلام في عالم الحس فتدبر .