ثم قال تعالى : { قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض } فإن قيل : كيف فهم ذو القرنين منهم هذا الكلام بعد أن وصفهم الله بقوله : { لا يكادون يفقهون قولا } والجواب : أن نقول كاد فيه قولان . الأول : أن إثباته نفي ، ونفيه إثبات ، فقوله : { لا يكادون يفقهون قولا } لا يدل على أنهم لا يفهمون شيئا ، بل يدل على أنهم قد يفهمون على مشقة وصعوبة . والقول الثاني : أن كاد معناه المقاربة ، وعلى هذا القول فقوله : { لا يكادون يفقهون قولا } أي لا يعلمون وليس لهم قرب من أن يفقهوا . وعلى هذا القول فلا بد من إضمار ، وهو أن يقال : لا يكادون يفهمونه إلا بعد تقريب ومشقة من إشارة ونحوها ، وهذه الآية تصلح أن يحتج بها على صحة القول الأول في تفسير كاد .
البحث الرابع : في يأجوج ومأجوج قولان : الأول : أنهما اسمان أعجميان موضوعان بدليل منع الصرف . والقول الثاني : أنهما مشتقان ، وقرأ عاصم يأجوج ومأجوج بالهمز . وقرأ الباقون ياجوج وماجوج . وقرئ في رواية آجوج ومأجوج ، والقائلون بكون هذين الاسمين مشتقين ذكروا وجوها . الأول : قال الكسائي : يأجوج مأخوذ من تأجج النار وتلهبها فلسرعتهم في الحركة سموا بذلك ومأجوج من موج البحر . الثاني : أن يأجوج مأخوذ من تأجج الملح وهو شدة ملوحته فلشدتهم في الحركة سموا بذلك . الثالث : قال القتيبي : هو مأخوذ من قولهم أج الظليم في مشيه يئج أجا إذا هرول وسمعت حفيفه في عدوه . الرابع : قال الخليل : الأج حب كالعدس والمج مج الريق فيحتمل أن يكونا مأخوذين منهما واختلفوا في أنهما من أي الأقوام فقيل : إنهما من الترك ، وقيل : { يأجوج } من الترك { ومأجوج } من الجيل والديلم ثم من الناس من وصفهم بقصر القامة وصغر الجثة بكون طول أحدهم شبرا ومنهم من وصفهم بطول القامة وكبر الجثة وأثبتوا لهم مخاليب في الأظفار وأضراسا كأضراس السباع واختلفوا في كيفية إفسادهم في الأرض فقيل : كانوا يقتلون الناس وقيل كانوا يأكلون لحوم الناس وقيل كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يتركون لهم شيئا أخضر وبالجملة فلفظ الفساد محتمل لكل هذه الأقسام ، والله أعلم بمراده ، ثم إنه تعالى حكى عن أهل ما بين السدين أنهم قالوا لذي القرنين : { فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا } قرأ حمزة والكسائي خراجا والباقون خرجا . قيل : الخراج والخرج واحد ، وقيل هما أمران متغايران ، وعلى هذا القول اختلفوا : قيل : الخرج بغير ألف هو الجعل لأن الناس يخرج كل واحد منهم شيئا منه فيخرج هذا أشياء وهذا أشياء ، والخراج هو الذي يجبيه السلطان كل سنة . وقال الفراء : الخراج هو الاسم الأصلي والخرج كالمصدر وقال قطرب : الخرج الجزية والخراج في الأرض .
{ قَالُواْ } أي بواسطة مترجمهم فإسناد القول إليهم مجاز ، ولعل هذا المترجم كان من قوم بقرب بلادهم ، ويؤيد ذلك ما وقع في مصحف ابن مسعود قال : الذين من دونهم أو بالذات على أن يكون فهم ذي القرنين كلامهم وإفهامه إياهم من جملة من أتاه الله تعالى من الأسباب ، وقال بعضهم : لا يبعد أن يقال القائلون قوم غير الذين لا يفهمون قولاً ولم يقولوا ذلك على طريق الترجمة لهم وأيد بما في مصحف ابن مسعود . وأياً ما كان فلا منافاة بين { لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً } [ الكهف : 93 ] .
وقالوا : { قَالُواْ يا ذا القرنين إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ } قبيلتان من ولد يافث بن نوح عليه السلام وبه جزم وهب بن منبه وغيره واعتمده كثير من المتأخرين . وقال الكسائي في العرائس : إن يافث سار إلى المشرق فولد له هناك خمسة أولاد جومر . وبنرش . وأشار . واسقويل ومياشح فمن جومر جميع الصقالبة والروم وأجناسهم ومن مياشح جميع أصناف العجم ومن أشار يأجوج ومأجوج وأجناسهم ومن اسقويل جميع الترك ومن بنرش الفقجق واليونان . وقيل : كلاهما من الترك وروى ذلك عن الضحاك ، وفي كلام بعضهم أن الترك منهم لما أخرجه ابن جرير . وابن مردويه من طريق السدي من أثر قوي الترك سرية من سرايا يأجوج ومأجوج خرجت فجاء ذو القرنين فبنى السد فبقوا خارجين عنه ، وفي رواية عبد الرزاق عن قتادة أن يأجوج ومأجوج ثنتان وعشرون قبيلة بني ذو القرنين السد على إحدى وعشرين وكانت واحدة منهم خارجة للغزو فبقيت خارجة وسميت الترك لذلك » وقيل : يأجوج من الترك ومأجوج من الديلم ، وقيل من الجيل ، وعن كعب الأحبار أن يأجوج ومأجوج من ولد آدم عليه السلام من غير حواء وذلك أنه عليه السلام نام فاحتلم فامتزجت نطفته في التراب فخلق منها يأجوج ومأجوج ، ونقل النووي في تفاواه القول بأنهم أولاد آدم عليه السلام من غير حواء عن جماهير العلماء .
وتعقب دعوى الاحتلام بأن الأنبياء عليهم السلام لا يحتلمون ، وأجيب بأن المنفي الاحتلام بمن لا تحل لهم فيجوز أن يحتلموا بنسائهم فلعل احتلام آدم عليه السلام من القسم الجائز ، ويحتمل أيضاً أن يكون منه عليه السلام إنزال من غير أن يرى نفسه أنه يجامع كما يقع كثيراً لأبنائه ، واعترض أيضاً بأنه يلزم على هذا أنهم كانوا قبل الطوفان ولم يهلكوا به ، وأجيب بأن عموم الطوفان غير مجمع عليه فلعل القائل بذلك ممن لا يقول بعمومه وأنا أرى هذا القول حديث خرافة ، وقال الحافظ ابن حجر : لم يرد ذلك عن أحد من السلف إلا عن كعب الأحبار ، ويرده الحديث المرفوع أنهم من ذرية نوح عليه السلام ونوح من ذرية حواء قطعاً .
وكأنه عنى بالحديث غير ما روى عن أبي هريرة مرفوعاً ولد لنوح . سام وحام ويافث فولد لسام العرب وفارس والروم وولد لحام القبط والبربر والسودان وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والصقالبة فإنه صرح بأنه ضعيف ، وفي التوراة في السفر الأول في الفصل العاشر والتصريح بأن يأجوج من أبناء يافث . وزعم بعض اليهود أن مأجوج اسم للأرض التي كان يسكنها يأجوج وليس اسماً لقبيلة وهو باطل بالنص ، والظاهر أنهما اسمان أعجميان فمنع صرفهما للعلمية والعجمة ؛ وقيل عربيان من أج الظليم إذا أسرع وأصلهما لهمزة كما قرأ عاصم . والأعمش . ويعقوب في رواية وهي لغة بني أسد ووزنهما مفعول ، وبناء مفعول من ذلك مع أنه لازم لتعديه بحرف الجر .
وقيل : إن كان ما ذكر منقولاً فللتعدي وإن كان مرتجلاً فظاهر ، وقال الأخفش : إن جعلنا ألفهما أصلية فيأجوج يفعول ومأجوج مفعول كأنه من أجيج النار ، ومن لم يهمزهما جعلها زائدة فيأجوج من يججت ومأجوج من مججت ، وقال قطرب : في غير الهمز مأجوج فاعول من المج ويأجوج فاعول من اليج ، وقال أبو الحسن علي بن عبد الصمد السخاوي ؛ الظاهر أنه عربي وأصله الهمز وتركه على التخفيف . وهو إما من الأجة وهو الاختلاف كما قال تعالى : { وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ } [ الكهف : 99 ] أو من الأج وهو سرعة العدو قال تعالى : { وَهُمْ مّن كُلّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ } [ الأنبياء : 96 ] أو من الأجه وهي شدة الحر أو من أج الماء ياج أجوجاً إذا كان ملحقاً مراً انتهى . وعلة منع الصرف على القول بعربيتهما العلمية والتأنيث باعتبار القبيلة .
وقرأ العجاج . ورؤية ابنه { آجوج } بهمزة بدل الياء . وربما يقال جوج بلا همزة ولا ياء في غير القرآن وجاء بهذا اللفظ في كتاب حزقيال عليه السلام { وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرض } أي في أرضنا بالقتل والتخريب وسائر وجوه الإفساد المعلوم من البشر ، وقيل بأخذ الأقوات وأكلها . روى أنهم كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يتركون شيئاً أؤخضر إلا أكلوه ولا باساً إلا احتلوه ، وأخرج ابن المنذر . وابن أبي حاتم عن بيب الأوصافي أنه قال : كان فسادهم أنهم يأكلون الناس ، واستدل بإسناد مفسدون إلى يأجوج ومأجوج على أن أقل الجمع إثنان وليس بشيء أصلاً { فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً } أي جعلا من أموالن . والفاء لتفريع العرض على إفسادهم في الأرض . وقرأ الحسن . والأعمش . وطلحة . وخلف . وابن سعدان . وابن عيسى الأصبهاني وابن جبير الأنطاكي . وحمزة . والكسائي ( خراجاً ) بألف بعد الراء وكلاهما بمعنى واحد كالنول والنوال . وقيل : الخرج المصدر أطلق على الخراج والخراج الاسم لما يخرج . وقال ابن الاعرابي : الخرج على الرؤس يقال : أد خراج أرضك وقال ثعلب : الخرج اخص من الخراج . وقيل الخرج المال يخرج مرة والخراج الخرج المتكرر وقيل الخرج ما تبرعت به والخراج ما لزمك إداؤه { على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّا } حاجزاً يمنعهم من الوصول إلينا . وقرأ نافع . وابن عامر . وأبو بكر سداً بضم السين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.