البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{قَالُواْ يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِنَّ يَأۡجُوجَ وَمَأۡجُوجَ مُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَهَلۡ نَجۡعَلُ لَكَ خَرۡجًا عَلَىٰٓ أَن تَجۡعَلَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَهُمۡ سَدّٗا} (94)

السد الحاجز والحائل بين الشيئين ، ويقال بالضم وبالفتح .

والضمير في { قالوا } عائد على هؤلاء القوم شكوا ما يلقون من يأجوج ومأجوج إذ رجوا عنده ما ينفعهم لكونه ملك الأرض ودوخ الملوك وبلغ إليهم وهم لم يبلغ أرضهم ملك قبله ، و { يأجوج ومأجوج } من ولد آدم قبيلتان .

وقيل : هما من ولد يافث بن نوح .

وقيل : { يأجوج } من الترك { ومأجوج } من الجيل والديلم .

وقال السدي والضحاك : الترك شرذمة منهم خرجت تغير ، فجاء ذو القرنين فضرب السد فبقيت في هذا الجانب .

وقال قتادة والسدي : بني السد على إحدى وعشرين قبيلة ، وبقيت منهم قبيلة واحدة دون السد فهم الترك وقد اختلف في عددهم وصفاتهم ولم يصح في ذلك شيء وهما ممنوعا الصرف ، فمن زعم أنهما أعجميان فللعجمة والعلمية ، ومن زعم أنهما عربيان فللتأنيث والعلمية لأنهما اسما قبيلتين .

وقال الأخفش : إن جعلنا ألفهما أصلية فيأجوج يفعول ومأجوج مفعول ، كأنه من أجيج النار ومن لم يهمزهما جعلها زائدة فيأجوج من يججت ، ومأجوج من مججت .

وقال قطرب في غير الهمز مأجوج فاعول من المج ، ويأجوج فاعول من يج .

وقال أبو الحسن عليّ بن عبد الصمد السخاوي أحد شيوخنا : الظاهر أنه عربي وأصله الهمز ، وترك الهمز على التخفيف وهو إما من الأجّة وهو الاختلاف كما قال تعالى { وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض } أو من الأج وهو سرعة العدو ، قال تعالى { وهم من كل حدب ينسلون } وقال الشاعر :

يؤج كما أج الظليم المنفر***

أو من الأجة وهو شدة الحرّ ، أو من أجّ الماء يئج أجوجاً إذا كان ملحاً مراً انتهى .

وقرأ عاصم والأعمش ويعقوب في رواية بالهمز وفي { يأجوج ومأجوج } وكذا في الأنبياء وفي لغة بني أسد ذكره الفراء .

قيل : ولا وجه له إلاّ اللغة الغريبة المحكية عن العجاج أنه كان يهمز العألم والخأتم .

وقرأ باقي السبعة بألف غير مهموزة وهي لغة كل العرب غير بني أسد .

وقرأ العجاج ورؤبة ابنه : آجوج بهمزة بدل الياء .

وإفسادهم الظاهر تحقق الإفساد منهم لا توقعه لأنها شكت من ضررنا لها .

وقال سعيد بن عبد العزيز : إفسادهم أكل بني آدم .

وقيل : هو الظلم والقتل ووجوه الإفساد المعلوم من البشر .

وقيل : كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يتركون شيئاً أخضر إلاّ أكلوه ، ولا يابساً إلاّ احتملوه ، وروي أنه لا يموت أحد منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلٌّ قد حمل السلاح .

{ فهل نجعل لك خرجاً } استدعاء منهم قبول ما يبذلونه مما يعينه على ما طلبوا على جهة حسن الأدب إذ سألوه ذلك كقول موسى للخضر { هل أتبعك على أن تعلمني } وقرأ الحسن والأعمش وطلحة وخلف وابن سعدان وابن عيسى الأصبهاني وابن جبير الأنطاكي ومن السبعة حمزة والكسائي خراجاً بألف هنا ، وفي حرفي قد أفلح وسكن ابن عامر الراء فيها .

وقرأ باقي السبعة { خرجاً } فيهما بسكون الراء فخراج بالألف والخرج والخراج بمعنى واحد كالنول والنوال ، والمعنى جعلا نخرجه من أموالنا ، وكل ما يستخرج من ضريبة وجزية وغلة فهو خراج وخرج .

وقيل : الخرج المصدر أطلق على الخراج ، والخراج الاسم لما يخرج .

وقال ابن الأعرابي : الخرج على الرؤوس يقال : أدّ خرج رأسك ، والخراج على الأرض .

وقال ثعلب : الخرج أخص والخراج أعم .

وقيل : الخرج المال يخرج مرة والخراج المجبي المتكرر عرضوا عليه أن يجمعوا له أموالاً يقيم بها أمر السد .

وقال ابن عباس { خرجاً } أجراً .

وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر { سداً } بضم السين وابن محيصن وحميد والزهري والأعمش وطلحة ويعقوب في رواية وابن عيسى الأصبهاني وابن جرير وباقي السبعة بفتحها